فأما نقلي عن بعض أتباع المذهب وليس عن أئمة المذهب نفسه، فالذي تحريته هو تتبع القول المشهور من المذهب، والا فأتباع المذاهب كانوا - كما تعلمون - ينسبون الأقوال أحيانا الى الأئمة من باب التفريع على مذهبهم وعلى قواعدهم العامة وليس من باب أنه قول منقول عن الامام حقيقة .. وتحري ألا يكون النقل الا لكلام صحيح السند والثبوت نسبة الى امام المذهب مباشرة هذا أمر فيه من التعنت ما فيه، ولا يسهل تطلبه في كل المسائل، بارك الله فيكم .. فاذا كان القول الذي نقلته من كل مذهب هو المشهور في المذهب، فما الفرق بين أن يكون منقولا عن الامام نقلا مباشرا، معزوا اليه، وبين أن يكون منقولا عن واحد من أتباع المذهب من الفقهاء رحمهم الله؟ كان المرادمن النقل عندي استقراء الأقوال المشهورة عند علماء المذاهب، وليس تحقيق نسبتها الى الأئمة الأربعة بالذات .. ولعله يكون هناك فرق علمي دقيق بين أن أقول "مذهب مالك" وبين أن أقول "مذهب المالكية" (قاصدا المشهور عنهم عموما)
.. فتأمل بارك الله فيك.
وأما الكلام في مذهب الظاهرية فلن أنتصر لما نقلته عنهم فيه، مدعيا أنه هو العمدة في مذهبهم دون غيره من الأقوال، ولعلي كان يحسن بي في هذا المقام أن أقول "وهو قول منسوب الى أئمة الظاهرية" .. ونقل القول على أنه منسوب الى أئمة الظاهرية - اذ وجد في كلام بعض من لهم نسبة الى المذهب واطلاع عليه كما نقلت عن الشوكاني - أحوط من نقله بصورة توحي بالجزم بنسبته اليهم دون غيره .. أصبتم في ذلك وسددتم، بارك الله فيكم .. أما تكلف البحث في أي العلماء أولى بالكلام عن مذهب الظاهرية وأولى بأن نصدق انه المختار من المذهب عنده، هل هو ابن قطان أم الشوكاني أم فلان أم فلان، فهذا لا حاجة لي فيه في هذا المقام، طالما أن القول موجود وظاهر في كلام من لهم نسبة الى الظاهرية .. هذه مادة بحث مستقل "أعني تحرير مذهب ابن حزم ودواد تحديدا في المسألة، وليس عموم ما جاء في كلام بعض فقهاء الظاهرية" ..
وفي الحقيقة فاضافتي لقولي "عدا العورة المغلظة" على المشهور من مذهبهم - وهو النظر الى ما ظهر من المخطوبة وما بطن - انما هو قيد أتيت به تنزيها للظاهرية عن أن يفهم من اطلاق هذا القول أنهم يجيزون نظر الخاطب الى مواضع السوأة من المخطوبة!! فهذا كما بينت في تضاعيف الكلام، أمر تأباه الفطرة والمروءة ولا يتصور نسبته الى امام فقيه أبدا! فليس في الكلام تناقض ان شاء الله .. وان كان الأصوب والأحرى ولا شك ألا أعنون لمذهبهم بكلام يأتي من فهمي وتصوري لمذهبهم، ولكن بكلامهم هم ما أمكن ..
والذي أتصوره أن الشوكاني رحمه الله كان أحسن فهما لما في المحلى من أن يفوته مدلول تلك الزيادة التي تممت بها النقل - أيها الدكتور الفاضل - من كلام ابن حزم رحمه الله ..
فكلام ابن حزم رحمه الله جاء كالتالي:
"ومن أراد أن يتزوج امرأة حرة أو أمة فله أن ينظر منها متغفلا لها وغير متغفل إلى ما بطن منها وظهر، ولا يجوز فى أمة يريد شراءها، ولا يجوز له أن ينظر منها إلا إلى الوجه والكفين فقط، لكن يأمر امرأة تنظر إلى جميع جسمها وتخبره .. "
ومن المستغرب جدا أن يقدم كلامه بأن للرجل أن ينظر من المرأة الى ما ظهر وما بطن، ثم يرجع وينقض ذلك التقرير في نفس الجملة بقوله أنه لا يجوز له الا النظر الى الوجه والكفين من ذلك وفقط!! فالوجه والكفان لا يعبر عنهما بأنهما مما بطن منها وينظر الخاطب اليه متغفلا وغير متغفل! فما وجه هذا الذي قاله بعد ذلك مباشرة من أنه لا يجوز له النظر الا الى الوجه والكفين منها؟ هل في العبارة تناقض؟ أم تراه وقع فيها سقط أو تصحيف أو نحو ذلك؟ حقيقة لم أتكلف التأول لتوجيه الكلام، ولست أملك الوصول الى المخطوطة أو الى كلام المحققين فيها لأتبين ان كانت الجملة هكذا صحيحة أم فيها شبهة سقط .. ولما علمت أن ظاهر الكلام الأول هو المشهور عن مذهبه، ووجدته مقررا عند الشوكاني، اكتفيت بهذا النقل عنه ..
والمتتبع لقواعد الظاهرية يعلم أن وقوع مثل هذا القيد عندهم فيه مخالفة لأصولهم، لأنه - كما هو واضح - لا يدل عليه نص صريح!! فمن أي نص من نصوص الباب يؤخذ التقيد بالوجه والكفين في النظر دون غيرهما؟ النصوص لا فيها ذكر للوجه ولا للكفين ولا لأي عضو بعينه! لهذا استظهرت هذا القول عنهم، وقررته على أنه مذهبهم، والله أعلم بالصواب.
وعلى أي حال، فسآخذ بنصيحتك أيها الفاضل دكتور عبد الباقي، وأنزل عن نسبة هذا المذهب بالذات الى داود وابن حزم رحمهما الله .. وأقول أن من الظاهرية عموما - كابن قطان وغيره - من يوافق الجمهور على قيدهم، ومنهم من استظهر القول بنفي ذلك - كالشوكاني .. فهل هذا التفصيل أضبط وأوعب في نظركم لما ورد عن أئمة الظاهرية من أقوال؟
جزاكم الله خيرا على مدارستكم النافعة.
ـ[الدكتور عبدالباقى السيد]ــــــــ[12 - Sep-2008, مساء 04:38]ـ
بارك الله فيكم أخى أبى الفداء وهكذا شأن أهل العلم وكما قال الشافعى رحمه الله " العلم رحم بين أهله" نسأل الله السلامة وإن أردت تحقيق لقول الظاهرية فى هذا الشان حققناه وإن اكتفيت بذلك فكما ترى وإن كنت أن الأمر وضح والحمد لله جزاكم الله خيرا
¥