أقول: فهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي ذكرها الإمام الشوكاني ربما هي مستند من ذهب من السلف إلى تخصيص هذه الليلة بالصلاة.

هذا غير صحيح، فنحن لا نتعبد الله تعالى بالأحاديث الباطلة والموضوعة، أما الأحاديث الضعيفة في باب الفضائل فنعم، لكن يكفينا في مسألتنا هذه ما أقررت بصحته من الفضل، فهو مستلزم عندنا لاستحباب زيادة التعبد.

وأنت إذا تأملت كلام الإمام الشوكاني جيدا وجدته يفرق بين القول بإثبات الفضل لليلة النصف من شعبان وبين القول بوجود خصوصية وفضل لعبادة من العبادات في هذه الليلة دون غيرها من الليالي.

تأملته أخي الكريم جيدا، فلم أر فيه البتة ما رأيت، الشوكاني يا أخي يتحدث عن صلاة نصف شعبان، أي صلاة معلومة بصفة مخصوصة، ذكرها صاحب الإحياء وغيره فإن الكلام إنما هو في هذه الصلاة الموضوعة في هذه الليلةوهي بدعة دون شك، وحديثنا نحن عن مطلق التعبد، فلا يختلط عليك الأمر بارك الله فيك.

وانظر كلام النووي_رحمه الله_ (الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يُغتر بذكرهما في كتاب "قوت القلوب" و"إحياء علوم الدين"، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يُغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما فإنه غالط في ذلك).انتهى [/ SIZصلى الله عليه وسلم][/Cصلى الله عليه وسلمNTصلى الله عليه وسلمR]

أقول: قد ثبت بالبيان المتقدم أنه لم يرد في فضل إحياء ليلة النصف من شعبان حديث صالح للإحتجاج به، وكل ما ورد في ذلك إما ضعيف أو موضوع. [/ QUOTصلى الله عليه وسلم]

لكن صح الحديث بإثبات الفضل، وهوكاف ولله الحمد.

عليه فإننا نقول: خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

فالتذرع بعمل بعض التابعين المخالف للسنة الصحيحة لأجل القيام بعبادة لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سبيل إلى الإبتداع في الدين.

حقا، خير الهدي هديه صلى الله عليه وآله وسلم، ونبرأ إلى الله تعالى من كل عبادة تخالف سنته الغراء، لكننا نتعبد الله تعالى بفهم السلف لحديث فضل الليلة، فنحن موافقون لسنته إن شاء الله.

ولذلك سأضع بين يديك وبين يدي القارئ الكريم هذه القاعدة الذهبية التي سطرها شيخ الاسلام ابن تيمية في كتابه النفيس "اقتضاء الصراط المستقيم" حيث قال: ([ COLOR="red"] إن العمل بأي جزئية من الدليل العام لم يكن عليه عمل السلف الصالح سبيل إلى الإبتداع في الدين).

وقال أيضا: (ليس كل عموم يُعمَل به إذا كان السلف الصالح أعرض عنه).

بارك الله فيك على هذه القاعدة العظيمة، لكن الاستشهاد بها في هذا المقام يرد عليه مأخذان:

الأول: أن هذا التخصيص قد ورد عن طوائف من السلف، فما فائدة القاعدة هنا؟

الثاني: أن شيخ الإسلام نفسه واضع القاعدة، وأعلم الناس بمفرداتها، جاءك النقل عن بالاستحباب، بل وجماعة، فلم يصح الاستدلال بهذه القاعدة.

وأزيدك من كلامه _رحمه الله_: (وأما ليلة النصف فقد روى فى فضلها أحاديث وآثار ونقل عن طائفة من السلف أنهم كانوا يصلون فيها فصلاة الرجل فيها وحده قد تقدمه فيه سلف وله فيه حجة فلا ينكر مثل هذا وأما الصلاة فيها جماعة فهذا مبنى على قاعدة عامة فى الاجتماع على الطاعات والعبادات).

هنا أريد التنبيه على أمرين اثنين وهما:

1 - قد يقول قائل: وهؤلاء التابعون الذين أحيوا ليلة النصف من شعبان أليسوا من السلف الصالح؟

فأقول: بلى، ولكن سبقهم من هم أفضل منهم بكثير، وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، ولم يثبت عن واحد منهم ما فعله من جاء بعدهم، والخير كل الخير في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

ثم إني أقول: بل لو ثبت أن واحدا من الصحابة خالف النبي صلى الله عليه وسلم في سنة لم يُلتَفت إلى قوله ووجب العمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتقديمها على قول الصحابي.

ويشهد لهذا ما قاله ابن عباس لما اعترض عليه معترض في قضية التمتع، فقال: (يوشك أن تسقط عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر).

فرق يا أخي بين مخالفة السنة وبين إعمال عمومها.

2 - ينبغي أن نفرق بين المبتدع وبين من وقع في بدعة، فإن الخلط في هذا الباب يوقع الإنسان في متاهات عظيمة لا يخرج منها إلا إذا فقه هذه القاعدة وهي: ليس كل من وقع في البدعة فهو مبتدع، كما أنه ليس كل من وقع في الكفر فهو كافر، ولهذه القاعدة شرح طويل لا يتسع المقام لذلك.

وبناء على ما تقدم: فلا يمكن أن يُصنَّف هؤلاء التابعين الذين أحيوا ليلة النصف من شعبان في خانة المبتدعة لاحتمال أن يكون قد استندوا في ذلك إلى بعض تلك الأحاديث التي سبق ذكرها ولم يتبين لهم ساعتها ضعفها أو وضعها.

ونفس الكلام يقال عمن قلدهم ممن جاء بعدهم بشرط ألا يكون قد وصله بالحجة والبرهان ما يدل على ضعف ما استند إليه وإلا كان حينئذ معاندا ومخالفا.

التفريق بين الوقوع في البدعة والحكم على الواقع فيها واضح لا يحتاج إلى تطويل ولا زيادة تفصيل، لكن لا وجه له في مسألتنا هذه، فهذا عمل قام به بعض السلف، ونصت عليه كتب كل المذاهب، واستحبه كبار الأئمة، أيقال بعد هذا أنه بدعة، فضلا عن الحكم على صاحبه.

وفقك الله أخي الحبيب وبارك فيك و رعاك.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015