ـ[من صاحب النقب]ــــــــ[19 - صلى الله عليه وسلمug-2008, مساء 02:49]ـ
كلام للشاطبي في الإعتصام في المسألة و ما شابهها
(فإن قيل هذا كله رد على الأئمة الذين اعتمدوا على الأحاديث التى لم تبلغ درجة الصحيح فإنهم كما نصوا على اشتراط صحة الإسناد كذلك نصوا أيضا على أن أحاديث الترغيب والترهيب لا يشترط في نقلها للاعتماد صحة الاسناد بل إن كان ذلك فبها ونعمت وإلا فلا حرج على من نقلها واستند إليها فقد فعله الأئمة كمالك في الموطأ وابن المبارك في رقائقه وأحمد بن حنبل في رقائقه وسفيان في جامع الخير وغيرهم
فكل ما في هذا النوع من المنقولات راجع إلى الترغيب والترهيب وإذا جاز اعتماد مثله جاز فيما كان نحوه مما يرجع إليه كصلاة الرغائب والمعراج وليلة النصف من شعبان وليلة أول جمعة من رجب وصلاة الإيمان والأسبوع وصلاة بر الوالدين ويوم عاشوراء وصيام رجب والسابع والعشرين منه وما أشبه ذلك فإن جميعها راجع إلى الترغيب في العمل الصالح فالصلاة على الجملة ثابت أصلها وكذلك الصيام وقيام الليل كل ذلك راجع إلى خير نقلت فضيلته على الخصوص
وإذا تبث هذا فكل ما نقلت فضيلته في الأحاديث فهو من باب الترغيب فلا يلزم فيه شهادة أهل الحديث بصحة الإسناد بخلاف الأحكام
فإذا هذا الوجه من الاستدلال من طريق الراسخين لا من طريق الذين في قلوبهم زيغ حيث فرقوا بين أحاديث الاحكام فاشترطوا فيها الصحة وبين أحاديث الترغيب والترهيب فلم يشترطوا فيها ذلك
فالجواب أن ما ذكره علماء الحديث من التساهل في أحاديث الترغيب والترهيب لا ينتظم مع مسألتنا المفروضة وبيانه ان العمل المتكلم فيه إما أن يكون منصوصا على اصله جملة وتفصيلا أو لا يكون منصوصا عليه لا جملة ولا تفصيلا أو يكون منصوصا عليه جملة لا تفصيلا فالأول - لا إشكال في صحته كالصلوات المفروضات والنوافل المرتبة لأسباب وغيرها وكالصيام المفروض أو المندوب على الوجه المعروف إذا فعلت على الوجه الذي نص عليه من غير زيادة ولا نقصان كصيام عاشوراء أو يوم عرفة والوتر بعد نوافل الليل وصلاة الكسوف
فالنص جاء في هذه الأشياء صحيحا على ما شرطوا فثبتت أحكامها من الفرض والسنة والاستحباب فإذا ورد في مثلها أحاديث ترغيب فيها أو تحذير من ترك الفرض منها وليست بالغة مبلغ الصحة ولا هي أيضا من الضعف بحيث لا يقبلها أحد أو كانت موضوعة لا يصح الاستشهاد بها فلا بأس بذكرها والتحذير بها والترغيب بعد ثبوت أصلها من طريق صحيح
والثاني ظاهر أنه غير صحيح وهو عين البدعة
لأنه لا يرجع إلا لمجرد الرأى المبنى على الهوى وهو أبدع البدع وافحشها كالرهبانية المنفية عن الإسلام والخصاء لمن خشى العنت والتعبد بالقيام في الشمس أو بالصمت من غير كلام أحد
فالترغيب في مثل هذا لا يصح إذ لا يوجد في الشرع ولا اصل له يرغب في مثله أو يحذر من مخالفته
والثالث ربما يتوهم أنه كالأول من جهة أنه إذا ثبت أصل عبادة في الجملة فيسهل في التفصيل نقله من طريق غير مشترط الصحة
فمطلق التنفل بالصلاة مشروع فإذا جاء ترغيب في صلاة ليلة النصف من شعبان فقد عضده أصل الترغيب في صلاة النافلة
وكذلك إذا ثبت اصل صيام ثبت صيام السابع والعشرين من رجب وما اشبه ذلك وليس كما توهموا لأن الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في التفصيل فإذا ثبت مطلق الصلاة لا يلزم منه إثبات الظهر والعصر أو الوتر أو غيرها حتى ينص عليها على الخصوص
وكذلك إذا ثبت مطلق الصيام لا يلزم منه إثبات صوم رمضان أو عاشوراء أو شعبان أوغير
ذلك حتى يثبت بالتفصيل بدليل صحيح
ثم ينظر بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب بالنسبة إلى ذلك العمل الخاص الثابت بالدليل الصحيح
وليس فيما ذكر في السؤال شىء من ذلك إذ لا ملازمة بين ثبوت التنفل الليلى والنهاري في الجملة وبين قيام ليلة النصف من شعبان بكذا وكذا ركعة يقرأ في كل ركعة منها بسورة كذا على الخصوص كذا وكذا مرة
ومثله صيام اليوم الفلاني من الشهر الفلانى حتى تصير تلك العبادة مقصودة على الخصوص ليس في شىء من ذلك ما يقتضيه مطلق شرعية التنفل بالصلاة أو الصيام
والدليل على ذلك أن تفضيل يوم من الأيام أو زمان من الأزمنة بعبادة ما يتضمن حكما شرعيا فيه على الخصوص كما ثبت لعاشوراء مثلا أو لعرفة أو لشعبان مزية على مطلق التنفل بالصيام فإنه ثبت له مزية على الصيام في مطلق الأيام
فتلك المزية اقتضت مرتبة في الأحكام أعلى من غيرها بحيث لا تفهم من مطلق مشروعية الصلاة النافلة لأن مطلق المشروعية يقتضى أن الحسنة بعشر أمثالها - إلى سبعمائة ضعف في الجملة
وصيام يوم عاشوراء يقتضى أنه يكفر السنة التي قبله فهو أمر زائد على مطلق المشروعية ومساقه يفيد له مزية في الرتبة وذلك راجع إلى الحكم
فإذا هذا الترغيب الخاص يقتضى مرتبة في نوع من المندوب خاصة فلا بد من رجوع إثبات الحكم إلى الأحاديث الصحيحة بناء على قولهم إن الأحكام لا تثبت إلا من طريق صحيح والبدع المستدل عليها بغير الصحيح لا بد فيها من الزيادة على المشروعات كالتقييد بزمان أو عدد أو كيفية ما
فيلزم أن تكون أحكام تلك الزيادات ثابتة بغير الصحيح وهو ناقض إلى ما اسسه العلماء
ولا يقال إنهم يريدون أحكام الوجوب والتحريم فقط
لأنا نقول هذا تحكم من غير دليل بل الأحكام خمسة
فكما لا يثبت الوجوب إلا بالصحيح فإذا ثبت الحكم فاستسهل أن يثبت في احاديث الترغيب والترهيب ولا عليك
فعلى كل تقدير كل ما رغب فيه إن ثبت حكمه ومرتبته في المشروعات من طريق صحيح فالترغيب بغير الصحيح مغتفر
وإن لم يثبت إلا من حديث الترغيب فاشترط الصحة ابدا وإلا خرجت عن طريق القوم المعدودين في أهل الرسوخ
فلقد غلط في هذا المكان جماعة ممن ينسب إلى الفقه ويتخصص عن العوام بدعوى رتبة الخواص
وأصل هذا الغلط عدم فهم كلام المحدثين في الموضعين وبالله التوفيق)
¥