أقول: نعم قد ورد في فضل ليلة النصف من شعبان أحاديث يشد بعضها بعضا وهي صحيحة بمجموعها كما حقق ذلك الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة (1144).
ونص الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يطلع الله تبارك و تعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن).
وقد روي هذا الحديث عن عدد من الصحابة و هم معاذ بن جبل و أبو ثعلبة الخشني و عبد الله بن عمرو و أبي موسى الأشعري و أبي هريرة و أبي بكر الصديق و عوف بن مالك و عائشة.
فالقول بثبوت فضل هذه الليلة لا يشك فيه أحد ممن صحح هذا الحديث، لكن ينبغي أن يُفهم هذا الفضل كما ورد في الحديث ولا نتعدى ذلك إلى غيره.
بمعنى آخر: الحديث نص على أمرين اثنين وهما:
1 - أن الله تبارك وتعالى يطَّلع إلى جميع خلقة في هذه الليلة.
2 - أن الله تبارك وتعالى يغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن.
بارك الله فيك على هذا الإقرار.
فلا ينبغي أن نفهم هذا الحديث على غير ما ورد فيه، بمعنى آخر: لا ينبغي لنا أن نثبت فضلا خاصا بهذه الليلة لم يرد ذكره في الحديث.
هذا ما لا نوافقك فيه البتة، وإلا مافائدة ذكر هذا الفضل، وما فائدة معرفته، إن لم يكن للحض على زيادة التعبد فيه والتقرب إلى الله تعالى، أم ذلك مجرد ترف علمي؟
وهذا الذي ذكرتُه هو الذي مشى عليه أكثر السلف، بل هو الذي عناه شيخ الاسلام ابن تيمية في الكلام الذي تفضلت بنقله عنه حين قال مستدركا: (لكن الذي عليه كثير من أهل العلم أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها وعليه يدل نص أحمد لتعدد الأحاديث الواردة فيها ... ).
وأنا هنا لا أنكر أن طائفة من السلف فهموا من هذا الحديث أكثر مما ذكرنا، كما ذكر ذلك شيخ الاسلام ابن تيمية أيضا في الكلام الذي نقلته عنه حين قال: (وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها).
وهذا منقول عن طائفة من التابعين من اهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم.
لم أر هذه الكثرة التي تحدثت عنها، أما النقل عن شيخ الإسلام بن تيمية فليس فيه البتة إنكار تخصيص هذه الليلة بزيادة العبادة، وحتى لا نضيع الوقت في تفكيك مفردات هذا النقل، أتركه وآتيك بصريح كلامه في المسألة، يقول _نور الله ضريحه_: (مسألة: في صلاة نصف شعبان؟.
الجواب: إذا صلى الإنسان ليلة النصف وحده، أو في جماعة خاصة كما كان يفعل طوائف من السلف، فهو أحسن. وأما الاجتماع في المساجد على صلاة مقدرة. كالإجتماغ على مائة ركعة، بقراءة ألف: قل هو الله أحد دائما. فهذا بدعة، لم يستحبها أحد من الأئمة. والله أعلم) الفتاوى الكبرى ومجموع الفتاوى.
فشيخ الإسلام يستحب صراحة صلاة ليلة النصف، بل يرى استحباب الاجتماع لذلك قي جماعات خاصة، ونقل ذلك عم طوائف من السلف، وليس بعض الشاميين فقط.
لكن أنكر ذلك أكثر علماء الحجاز، كما نقل ذلك الحافظ ابن رجب في كتابه " لطائف المعارف "، وقد قام الأخ صالح المقبلي وفقه الله بنقل كلام الحافظ ابن رجب كاملا في رده فلا أرى إعادة ذكره هنا تفاديا للتكرار.
عفوا لم أر هذا الإنكار فيما نقله المقبلي، وللإنصاف أقوم بنقله:
قال الحافظ ابن رجب _رحمه الله_:وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء و ابن أبي مليكة و نقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة و هو قول أصحاب مالك و غيرهم و قالوا: ذلك كله بدعة).
لكن سأقوم هنا بنقل كلام بعض العلماء المتأخرين في حكم تخصيص هذه الليلة بصيام أو صلاة أو نحو ذلك.
قال الامام أبو بكر الطرطوشي في كتابه " الحوادث والبدع ": (وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم قال: ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلا على ما سواها.
وقيل لابن أبي مليكة: إن زيادا يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر، فقال: لو سمعته وبيدي عصا لضربته). انتهى
هذا النقل لا يزيد ولا ينقص في المسألة شيئا، لأنه معارض بقول الأكثر والأعلم، وإليك البيان:
الأحناف: قال ابن نجيم_رحمه الله_: (ومن المندوبات إحياء ليالي العشر من رمضان وليلتي العيدين وليالي عشر ذي الحجة وليلة النصف من شعبان كما وردت به الأحاديث وذكرها في الترغيب والترهيب مفصلة).البحر الرائق.
¥