والفرق بين الليلتين واضح: فإن ليلة القدر قد ثبت فيها فضل من قامها إيمانا واحتسابا، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
ومثل هذا لم يرد في ليلة النصف من شعبان، فتأمل.
ولأجل هذا أنكر ابن أبي مليكة على زياد قوله بالتسوية، وهذا لا يعني بأنه ينكر فضل ليلة النصف من شعبان، بل يثبت لها الفضل الوارد في الحديث دون تخصيصها بعبادة.
وقال العلامة الشوكاني في " الفوائد المجموعة ": (حديث: " من صلى مائة ركعة ليلة النصف من شعبان يقرا في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد عشر مرات إلا قضى الله له كل حاجة .. " هو موضوع وفي ألفاظه المصرحة بما يناله فاعلها من الثواب ما لا يمتري إنسان له تمييز في وضعه ورجاله مجهولون، وقد روي من طريق ثانية وثالثة كلها موضوعة ورواتها مجاهيل، وقال في المختصر: حديث صلاة نصف شعبان باطل، ولابن حبان من حديث علي: " إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها "، ضعيف، وقال في اللآلئ: مائة ركعة في نصف شعبان بالإخلاص عشر مرات مع طول فضله للديلمي وغيره موضوع وجمهور رواته في الطرق الثلاث مجاهيل ضعفاء، قال: واثنتا عشر ركعة بالإخلاص ثلاثين مرة موضوع وأربع عشرة ركعة موضوع.
وقد اغتر بهذا الحديث جماعة من الفقهاء كصاحب الإحياء وغيره، وكذا من المفسرين، وقد رويت صلاة في هذه الليلة أعني ليلة النصف من شعبان على أنحاء مختلفة، كلها باطلة موضوعة، ولا ينافي هذا رواية الترمذي من حديث عائشة لذهابه صلى الله عليه وسلم إلى البقيع، ونزول الرب ليلة النصف إلى سماء الدنيا وأنه يغفر لأكثر من عدة شعر غنم كلب، فإن الكلام إنما هو في هذه الصلاة الموضوعة في هذه الليلة على أن حديث عائشة هذا فيه ضعف وانقطاع كما أن حديث علي الذي تقدم ذكره في قيام ليلها لا ينافي كون هذه الصلاة موضوعة على ما فيه من الضعف حسبما ذكرناه.) انتهى
أقول: فهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي ذكرها الإمام الشوكاني ربما هي مستند من ذهب من السلف إلى تخصيص هذه الليلة بالصلاة.
وأنت إذا تأملت كلام الإمام الشوكاني جيدا وجدته يفرق بين القول بإثبات الفضل لليلة النصف من شعبان وبين القول بوجود خصوصية وفضل لعبادة من العبادات في هذه الليلة دون غيرها من الليالي.
وهذا تجده في قوله السابق: (ولا ينافي هذا رواية الترمذي من حديث عائشة لذهابه صلى الله عليه وسلم إلى البقيع، ونزول الرب ليلة النصف إلى سماء الدنيا وأنه يغفر لأكثر من عدة شعر غنم كلب، فإن الكلام إنما هو في هذه الصلاة الموضوعة في هذه الليلة).
على أن حديث عائشة المذكور رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وهو في " ضعيف الجامع " برقم (754).
وقد ضعفه الشوكاني نفسه بعد ذلك مباشرة حين قال: (على أن حديث عائشة هذا فيه ضعف وانقطاع).
وكذلك حديث علي عند ابن حبان الذي ذكره فقد رواه ابن ماجه وغيره وهو في "ضعيف الجامع" برقم (294) وفي "السلسلة الضعيفة" برقم (2132).
وقال الحافظ العراقي: (حديث صلاة ليلة النصف موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذب عليه).انتهى
وقال الامام النووي: (الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يُغتر بذكرهما في كتاب "قوت القلوب" و"إحياء علوم الدين"، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يُغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما فإنه غالط في ذلك).انتهى
قولك: (والنقل عن الإمام أحمد الذي أشار إليه شيخ الإسلام هو ماروه ابنه عبد الله في السنة: (عن عبَّاد بن العوام قال: قدم علينا شريك فسألناه عن الحديث: إنَّ الله ينزل ليلة النصف من شعبان، قلنا: إنَّ قوماً ينكرون هذه الأحاديث
قال: فما يقولون؟ قلنا: يطعنون فيها
قال: إنَّ الذين جاءوا بهذه الأحاديث هم الذين جاءوا بالقرآن، وبأنَّ الصلوات خمس، وبحج البيت، وبصوم رمضان، فما نعرف الله إلا بهذه الأحاديث).السنة لعبد الله بن أحمد.)
¥