فلو عدَّلت من كلامك وقلت مثلا: كثير من العلماء في هذا العصر قالوا بكذا أو كثير من طلبة العلم ذهبوا إلى كذا لكان أولى وأفضل.

_ قولك: (يقول شيخ الإسلام بن تيمية _نور الله ضريحه_: (ومن هذا الباب ليلة النصف من شعبان فقد روى في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة ...

لكن الذي عليه كثير من أهل العلم أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها وعليه يدل نص أحمد لتعدد الأحاديث الواردة فيها وما يصدق ذلك من الآثار السلفية وقد روى بعض فضائلها في المسانيد والسنن وإن كان قد وضع فيها أشياء أخر) اقتضاء الصراط المستقيم.)

أقول: نعم قد ورد في فضل ليلة النصف من شعبان أحاديث يشد بعضها بعضا وهي صحيحة بمجموعها كما حقق ذلك الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة (1144).

ونص الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يطلع الله تبارك و تعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن).

وقد روي هذا الحديث عن عدد من الصحابة و هم معاذ بن جبل و أبو ثعلبة الخشني و عبد الله بن عمرو و أبي موسى الأشعري و أبي هريرة و أبي بكر الصديق و عوف بن مالك و عائشة.

فالقول بثبوت فضل هذه الليلة لا يشك فيه أحد ممن صحح هذا الحديث، لكن ينبغي أن يُفهم هذا الفضل كما ورد في الحديث ولا نتعدى ذلك إلى غيره.

بمعنى آخر: الحديث نص على أمرين اثنين وهما:

1 - أن الله تبارك وتعالى يطَّلع إلى جميع خلقة في هذه الليلة.

2 - أن الله تبارك وتعالى يغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن.

فلا ينبغي أن نفهم هذا الحديث على غير ما ورد فيه، بمعنى آخر: لا ينبغي لنا أن نثبت فضلا خاصا بهذه الليلة لم يرد ذكره في الحديث.

وهذا الذي ذكرتُه هو الذي مشى عليه أكثر السلف، بل هو الذي عناه شيخ الاسلام ابن تيمية في الكلام الذي تفضلت بنقله عنه حين قال مستدركا: (لكن الذي عليه كثير من أهل العلم أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها وعليه يدل نص أحمد لتعدد الأحاديث الواردة فيها ... ).

وأنا هنا لا أنكر أن طائفة من السلف فهموا من هذا الحديث أكثر مما ذكرنا، كما ذكر ذلك شيخ الاسلام ابن تيمية أيضا في الكلام الذي نقلته عنه حين قال: (وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها).

وهذا منقول عن طائفة من التابعين من اهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم.

لكن أنكر ذلك أكثر علماء الحجاز، كما نقل ذلك الحافظ ابن رجب في كتابه " لطائف المعارف "، وقد قام الأخ صالح المقبلي وفقه الله بنقل كلام الحافظ ابن رجب كاملا في رده فلا أرى إعادة ذكره هنا تفاديا للتكرار.

لكن سأقوم هنا بنقل كلام بعض العلماء المتأخرين في حكم تخصيص هذه الليلة بصيام أو صلاة أو نحو ذلك.

قال الامام أبو بكر الطرطوشي في كتابه " الحوادث والبدع ": (وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم قال: ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلا على ما سواها.

وقيل لابن أبي مليكة: إن زيادا يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر، فقال: لو سمعته وبيدي عصا لضربته). انتهى

وإن كانت لي ملاحظة على النقل الأول عن زيد بن أسلم؛ لأنه يُفهم من كلامه أنه لم يرد في فضل ليلة النصف من شعبان حديث صحيح، وهو الذي قصده بقوله: (ولا يلتفتون إلى حديث مكحول).

ومكحول إنما رواه عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل.

وهذا الإسناد بمفرده ضعيف منقطع؛ لأن مكحولا لم يلق مالك بن يخامر، كما ذكر ذلك الحافظ الذهبي، ولذلك قال الشيخ الألباني: (و لولا ذلك لكان الإسناد حسنا، فإن رجاله موثوقون).

ولكن سبق وأن ذكرنا بأن هذا الحديث قد روي عن عدد من الصحابة، ولذلك فهذا الإسناد يتقوى بغيره.

والغرض من هذا النقل عن زيد بن اسلم هو بيان أن هناك من السلف من أنكر فضل هذه الليلة بالكلية فضلا عن أن يثبت لها خصوصية لبعض العبادات.

وأما إنكار ابن أبي مليكة وهو من علماء الحجاز على زياد فلأجل أنه ساواها بليلة القدر، وهذا يقل به فيما علمت غير زياد.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015