المسائل، ولكن مآل القضية في النهاية إلى موقفك أنت من فهم السلف وأين تضع عقلك وظنك أنت بالنسبة إلى ذلك كله!!
- مثال آخر: إخراج زكاة الفطر بالقيمة أم من غالب قوت البلد .. الذي يقول بإعمال قاعدة اتباع المقاصد - أو بالأحرى فهمه هو للمقاصد، وما أقصره من فهم! - تراه يقول أن الأولى في زماننا هذا هو إخراج القيمة، لأن الغاية تحقيق النفع والمصلحة للمسكين قبل عيد الفطر! وهذا كلام يعوزه كثير من النظر والتأمل! وإن كان هذا القول: القول بإخراج القيمة في زكاة الفطر قد قال به بعض السلف كما هو معلوم وفيه نص عن معاذ رضي الله عنه، إلا أن النظر في هذا النص هل هو حجة تعارض بها أدلة القول المخالف أم لا، هذه قضية ليس مناط النظر فيها مذهب هؤلاء الذين قالوا نرجح وفقا للمقاصد والمصلحة التي حكمنا لها بتقعيداتنا المقاصدية!!
فأولا ما هي قيمة ذلك الصاع الذي أمر النبي بإخراجه؟؟ لو حسبتها بعملة اليوم لوجدتها تتراوح ما بين الست إلى السبع جنيهات مصرية بحسب نوع الطعام الذي يخرج المتصدق صدقته منه! فإن علم أنه في زمان الصحابة كان من الممكن أن يشتري المسلم بثمن هذا الصاع وقيمته قميصا جديدا - مثلا - ليستقبل به يوم العيد، فبالله عليك ما الذي يمكنه أن يشتريه بهذه القيمة اليوم؟؟؟ وأيهما أنفع للمسلم المحتاج في زماننا هذا، أن يأخذ تلك القيمة المتواضعة أم أن يأخذ الصاع نفسه ليأكل منه هو وعياله؟؟
فالذين يقصرون نظرهم في المقاصد فقط دون تتبع للأدلة ولعمل الصحابة والسلف وكلام الفقهاء في ذلك، يتصورون أن لهم في نظرهم في المقاصد ما يغنيهم عن الترجيح بين النصوص والخوض في خلاف الفقهاء في مدلولاتها! وهذا هو قمة الظلم لأنفسهم وللذين سبقوهم! فلو استقام فهمك لنصوص المسألة، فإن فهمك للعلة والمقصد في تلك المسألة سيستقيم تبعا لذلك ولا شك، وليس العكس!!
- مثال آخر: مسألة الرؤية والحساب الفلكي في هلال رمضان! يقول أصحاب التنطع بالمقاصد أن المقصد من تقييد دخول رمضان برؤية العين وشاهد العين للهلال هو تحقيق العلم بدخول الشهر بواسطة القرينة الحسية أيا كانت تلكم القرينة!! فبما أنهم فيما مضى لم يكن عندهم أقمار صناعية، فما كان أمامهم إلا النظر بالعين المجردة، فكانوا عرضة لما يعتريه ذلك النظر من أخطاء ومن اختلاف للرؤى بين القرى والبلاد وغير ذلك! وهذا كلام فساد! وهذا المقصد الذي زعموه ليس بمسلم لهم، فالله قال ((لروؤيته)) ولم يقل "لمولده"! والنبي عليه السلام لما قال نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب والشهر عندنا هكذا وهكذا، لم يكن يتكلم عن حال أمته في زمانه فقط صلى الله عليه وسلم، والقائل بذلك يُجَهِّله عليه السلام ويُجَهِّل الوحي من حيث لا يدري! بل يمكن أن يقال أنه عليه السلام كان يقصد أن الذين يريدون تكلف أمور لا تتحقق للأمة في كل الأحوال من الحساب الفلكي وكذا للتحقق من دخول الشهر، هؤلاء يشقون عليها ويتكلفون أمرا قد شرع الله لهم ما هو أيسر وأخف منه، وألزمهم به مهما تطورت بهم العلوم والأقمار الصناعية!! فلماذا لا يكون مقصد الشرع في ذلك فضلا عن غاية التعبد المحض: التيسير على المسلمين مهما كان حالهم من العلم والجهل في أي زمان ومكان كانوا؟؟؟! التوجيه على هذا المقصد أظهر وأوجه ولا شك من الذين قالوا قولا طعنوا به في الشرع والوحي من حيث لا يشعرون، فزعموا أن المقصد هو التحقق من مولد الهلال أيا كان الأسلوب والطريقة، ولأن الأمة كانت جاهلة لا تجد إلا رؤية العين للضرورة، فقد زال عنها ذلك بوجود القمر الصناعي!! لو صح كلامهم هذا ومقصدهم هذا الذي تصوروه وظنوه لما خرجت النصوص التي يقرر فيها النبي أننا أمة لا تقرأ ولا تكتب على هذا النحو الذي خرجت عليه، بل لنص عليه السلام في كلامه على أن هذا هو ما يسعنا الآن، ولأجاز - من باب أولى - لأهل الحساب حسابهم (*)!! فليكن ديننا بناء المقاصد على جملة فهم النصوص وليس العكس يا معاشر "القاصديين"!!!
¥