وحتى لا يكون الكلام تنظيرا عاريا عن ضرب المثال، إليك ببعض الأمثلة.

يقول بعض هؤلاء العصرانيين والعقلانيين، أن حد الردة - مثلا - يخالف قاعدة منع الاكراه في الدين! ونقول لهؤلاء بل أنتم من فسد تصوره عن توجيه حد الردة في مقصده الشرعي الصحيح!! فقاعدة منع الإكراه في الدين هذه متوجهة - بموجب النصوص - إلى الكافر الأصلي من أهل الكتاب الذي يصر على البقاء على دينه مع دفع الجزية عند فتح بلده! أما غير الكتابي، فالمجوسي مختلف فيه هل يلحق بالكتابي أم لا كما هو معلوم والراجح أنه يلحق لأنه على شبهة كتاب، بينما الملحد أو الوثني أو غير أهل الكتاب فمن مقاصد الشريعة في حقهم ألا يبقى لهم ولا لملتهم وجود في الأرض مع تمكن دولة الإسلام من السيادة والسلطان عليها! ولهذا كان الحكم أنه عند فتح بلادهم فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام! فهل هذا يعارض مقصد عدم الإكراه في الدين؟؟ كلا! وانما يدخل في مقصد آخر أعلى وأسمى وأشمل وهو تطهير الأرض من دنس الوثنيين والملحدين! وهما لا يتعارضان! فإذا أمكن للمجتهد أن يجد وجها للحكمة من ذلك، فإنه سيجد أنه داخل في قاعدة حفظ الدين للمسلمين ولا ريب، وكذا إقامة الحجة على أهل الكتاب، وإقامة العدالة على أمم البغي والكفر وتطهير الأرض من ملل الوثنيين والملاحدة وغير ذلك من مقاصد كلها تنتظم في مقصد كون هذه الرسالة ((رحمة للعالمين)).

أما حد الردة فلا دخل له بهذه الفئات التي تدخل مسائلها في دراسة قاعدة الإكراه والتخيير وإقامة الحجة وكذا .. لا يدخل تحت تلك القاعدة الكلية أصلا! وإنما هو داخل في قاعدة أو مقصد حفظ الدين للمسلمين ولأمة المسلمين بالأساس! كيف هذا؟ ذلك أن المجتهد الفطن إن تأمل فإنه سيدرك لا محالة مدى شر وضرر وخطورة إعلان أحد المسلمين ردته في الأمة وبقائه فيها حيا ينشر فتنته وحقده وسموم قلبه في الناس من حوله!! بل وسيرى أن الكفار لن يتركوه حتى يزينوا له الانضمام إليهم وتبوُؤ منبر من منابر صد الناس عن دين الله وإفساد الدعوة! فهو شر ولا شك من الكافر الأصلي إن لم يتب ويرجع (حال استتباته لمدة ثلاثة أيام كما هو منصوص)!

فلما جاء صاحب المقاصد بفهم فاسد للمقاصد، ثم راح يطعن في النصوص دلالتها التي أجمعت عليها الأمة في شأن حد الردة، وخرج بعد عصره لرأسه الفاسد بأن حد الردة يخالف قاعدة أو أصلا من أصول الدين، قلنا له بل أنت من فسد فهمك للقواعد الكلية في الشرع وللمقاصد العامة! ففي الأمر مقصد رفيع لو أدركته لتغير نظرك! فمن مقاصد هذا الدين العظيم، هذه الشرعة الخاتمة، أن يكون فيها ما يضمن لها الحفظ والبقاء في الأرض إلى قيام الساعة، ومن ذلك مقصد صيانة الدين للمسلمين في أرض ربهم، في أمة ذات منعة وبأس وشوكة، يتحقق فيها استعلاء دين الحق وأهله والعلو على كلمة الكافرين والظهور على الدين كله والانتشار في الأرض والهيمنة عليها وإذلال الكفار وردعهم وتخويفهم وغير ذلك من مقاصد فرعية غفل عنها كثير من أهل التنظير والتقعيد المتأخرين، فراحوا يتصورون عللا باطلة ويوجهون المسائل في غير مقاصدها! هذا المقصد هو بعينه ما جُعل الجهاد من أجله ذروة سنام الإسلام، وجُعل الموت في سبيل الله جل علا أعظم القربات!

- مثال آخر، سفر المرأة مع غير ذي محرم، فبعض المفتين يفتون بجواز أن يكون في الصحبة الآمنة لأنه تجاوز النظر في النصوص وقال بأن المقصد هو الأمن على النفس (حفظ النفس)، فما دام متحققا فلا فرق بين أن يوجد المحرم في تلك الصحبة أو لا يوجد! وأقول هذا نظر قاصر منهم، إن وجهوا الحكم على هذا التوجيه التقعيدي الكلي، والا فالناظر في النصوص يجد أن هناك أحوال قد يباح فيها سفر المرأة مع الصحبة الآمنة. ذلك أن قولهم بأن القصد هو أمن النفس فقط ليس بمسلم لهم! فقد يدخل فيه حفظ الدين كذلك وحفظ المال والذرية وغير ذلك من المقاصد التي لا تقوم بسفر المرأة مع صحبة آمنة تخلو من وجود ذي محرم لها معها! فبأي حق يرد الفقيه كلام أئمة الفقه في موارد الأدلة ويعطل الأقوال المستنبطة منها، لظن عقلي عنده مبناه علة قد تصح وقد لا تصح توجيها للنص ومقصده؟؟؟ لو أحسنت تدبر النصوص وكلام الفقهاء في أحكامها المأخوذة منها فلن تجد تعارضا بين ما اتفق عليه من القواعد والمقاصد العامة للفقه وبين أقول السلف في تلك المسألة ولا في غيرها من

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015