- مثال آخر: الخلاف في الحجاب هل يدخل فيه ستر الوجه والكفين أم لا يدخل؟ قد يقول بعض أصحاب هذا المذهب المقاصدي أن مقصد الشرع التخفيف على المرأة والتيسير عليها، وليس في وجهها ولا كفيها ما يفتتن الناس به - عادة - فيدل ذلك على أن الصواب أن الوجه والكفين لا يدخلان في العورة ولا يجب سترهما! وقد يرد عليه مقاصدي آخر ويقول كلا، بل المقصد والمراد من الحجاب ولا شك هو أمن الفتنة والفتنة لا تؤمن إلا مع ستر جميع بدن المرأة، فوجهها قد يكون فيه من الفتنة ما فيه! وهناك قول ثالث قد يخرج به أحدهم ويقول بل الضابط أن يستر الوجه عند عدم أمن الفتنة ويشكف عند خلاف ذلك، وهذه مسألة ضابطها نسبي يختلف من امرأة الى أخرى ومن بلد إلى بلد وهكذا ..
كل هذا الكلام كما هو واضح، لا يحسم أبدا مادة النزاع في المسألة، فمع اتفاقنا جميعا على استحباب ستر سائر بدن المرأة وعلى أنه هو الأولى والأفضل إلا أن الخلاف بين الوجوب والاستحباب، لا يمكن حسمه بالمقاصد المطنونة على هذا النحو، ولا محيص فيه من النظر في النصوص وفقهها! وما مثل هذا الذي ذكرته آنفا إلا كلام من يفقد النصوص والنظر فيها، ولا يوصل منه إلى ترجيح علمي أبدا!! فالذي يتأمل النصوص ويجمعها إلى بعضها البعض، ويخرج بقول يرتضيه في الوجوب أو الاستحباب، فإنك ستجد عنده من العلل العقلية التي خرج بها من فهم النصوص، ما يجعل له وجهته في توجيه الحكم إلى بعض تلك المقاصد دون بعض - بل وربما إليها كلها مجتمعة، إن فتح الله عليه في ذلك ومكنه منه! فيكون كلامه حينئذ معضدا بتلك الظنون العقلية من بعد ما استدل له بالنصوص ودلالاتها وفقهها ..
وأكتفي بهذه الأمثلة راجيا من الله أن يكون المراد قد اتضح ..
فالذين يقولون أن الآخذين بالنصوص لا ينظرون في المقاصد في فقههم لمجرد أن القوم ربما لم يسطروا في كتبهم توجيه كل حكم حكموا به وكل مسألة خرجوا بأحكامها إلى قاعدة كلية عامة أو مقصد شرعي عام، هؤلاء إنما يظلمون سائر فقهاء الأمة من المتقدمين ويقولون قولا بورا، يكفي التأمل فيه لإبطاله!
فلا يجعلن الباحث نصوص الدين تابعة لعقله واستحسانه ويقول ما رآه عقلي حسنا فلابد أن يكون الصواب في النصوص التي توافقه بل وفي فهمي أنا الذي يوافقه لتلك النصوص! بل وجه نفسك وفقهك بفهم السلف للنصوص واعلم أنك إن من الله عليك وفتح عليك في ذلك فستخرج حتما في كل مسألة بما الله به عليم من المقاصد والفوائد والحكم والعلل التي ندين الله بأن السلف ما كانوا يغفلونها في مجملها ولكنهم ما وجدوا بعد إخراج الأحكام من الترجيح بين النصوص على مذهب السلف ما يعوزهم إلى تقرير ما خرجوا به من توجيهات لتلك النصوص على القواعد والمقاصد والأصول التي فصلها من جاء من بعدهم ..
والخلاصة: إلى كل من اغتر بمذهب المعتزلة في التحسين والتقبيح العقلي وظن أن في اتباع الظنون والمقاصد المظنونة ما يغنيه عن فهم السلف وتخريجهم على النصوص، أقول اتق الله في نفسك، ولا تظلم عقلك ولا تظلم سلفك الصالح رضي الله عنهم، واجعل عقلك تابعا للنص وفهم السلف ولا تجعل النص تابعا لظنونك ونظرياتك، يهديك الله ويلهمك الى سواء الصراط ..
هذا والله أعلى وأعلم
والله الموفق الى كل خير ..
والحمد لله رب العالمين.
----------------
(*) = الحساب الفلكي كان موجودا عند الفلكيين في سائر الأمم من قديم الأزمان، وقد كان موجودا عند العرب من الجاهلية، ومع ذلك لم يأمر النبي عليه السلام بمراجعة الفلكيين، فتأمل.