بارك الله فيك أيها الفاضل الفضلي .. وأعتذر اليك عن تحميلك تبعة معارضتي - بادي الرأي - لنقل نقلته أنت عن امام من الأئمة رحمه الله ورضي عنه .. وقد عاودت قراءة كلام الشيخ رحمه الله تعالى فوجدته يقول في المثال الذي ضربه: "أما أن يأتي إنسان طمّاع لا همّ له إلا المال، فيأتيه رجل ما فيه خير، ويقول زوجني بنتك، وهي عنده ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة، ما بلغت بعد، ويعطيه مائة ألف، فيزوجه إياها ويقول: الدليل على ذلك أن أبا بكر- رضي الله عنه – زوّج عائشة النبيَّ." اهـ.
فلي أنه رحمه الله أنكر على الأب الطماع الذي لا يريد الا المال والذي من أجل ذلك لا يتورع عن تقديم صغيرته لرجل فاسد! وهذا محل اتفاق بيننا جميعا فكلنا مطبقون على انكاره واستبشاعه، غير أن القول بأن هذا أمر مما اختص به زماننا هذا، ليس يظهر لي صحته - والله أعلم - وحتى وان ثبت فليس فيه ما يرجح قول المانعين من ذلك والزاعمين أنه من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم كابن شبرمة وابن حزم وغيرهما! فميل الشيخ رحمه الله ورضي عنه الى اختيار هذا القول - ولم يصرح بذلك - ليس حجة على صحته، والله أعلى وأعلم.
وقول الشيخ رحمه الله: "ولكن قد يقال: متى يكون الزوج كالرسول –صلى الله عليه وسلم -، ومتى تكون البنت عائشة."
وهذا ممما عجبت له حقيقة، لأنه معلوم أن رجلا من المسلمين لن يكون أبدا كالنبي صلى الله عليه وسلم ولن تأتي فتاة كعائشة!! فهل هذا دليل - أو حتى قرينة - تخصيص له ولنسائه في الأحكام؟ يمكننا قول مثل ذلك على كل حكم من الأحكام التي كان النبي فيها صلى الله عليه وسلم هو القدوة بنفسه في تطبيق الحكم، ولم يختص بها من دون الأمة، فهل يصلح أن يعد هذا الاعتبار دليلا على تخصيصه - بأبي هو وأمي - بتلك المسألة؟
وأنا أتساءل، لو لم يكن من حكمة الله في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم لفتاة في السادسة من عمرها أن يتعلم المسلمون جواز ذلك على نحو ما جرى في تلك الحالة، فما الحكمة وما المقصد منه في تصوركم اذا؟! لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في زيجاته مثالا وقدوة يتعلم منه المسلمون في كل حالة من تلك الزيجات حكمة ومصلحة ومقصدا من مقاصد الشرع بأحكامه في النكاح كما استنبط أهل العلم رحمهم الله، وهذه هي الحكمة - والله أعلم - في اختصاصه عليه السلام بالزيادة على أربعة نسوة!
فتعطيل فقه حالة عائشة رضي الله عنها بحجة أنه لن تأتي من النساء مثلها ولا من الرجال مثل النبي صلى الله عليه وسلم، لو توسعنا فيها لعطلنا سائر ما تعلمته الأمة من دروس في سائر زيجات النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك تعدد الزوجات نفسه، فتأمل! لأنه قطعا لن يأتي من هو في عدل النبي محمد، ولن تأتي من هن في قناعة وايمان وعفة زوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أبدا وهذا مقطوع به ولا مراء!! فما دام لن يكون من الرجال من يمكن أن يكون في مثل عدالة النبي عليه السلام مع الزوجات، فلنقل اذا بمنع تعدد الزوجات مطلقا في زماننا هذا على نفس هذا التخريج وعلى نفس هذا المذهب!! بل قد يأتيك من يقول أن الحاجة الى منع التعدد في هذا الزمان الذي كثر فيه الظلم وقلت فيه الخشية من الله وحسن الديانة، أدعى من الحاجة الى منع تزويج الصغيرة، ويقول هذا المنع له شاهده من القرءان لأن الله قال: ((فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة))، فكيف يرد من هكذا مذهبه على من يقول بهذا الكلام؟؟
أما كلام شيخنا رحمه الله رحمة واسعة في مسألة التأسي بالخلفاء الراشدين في احداث أحكام جديدة بخلاف ما كان عليه الصحابة، فما ضابطه وما حده وبأي حجة يطلق على أساسه القول بمنع ما لم يحرمه الله في زمان النبي والخلفاء الراشدين من بعده رضي الله عنهم؟ ولو سمحنا به في هذه المسألة، فما بال ذلك الذي استدل بمثل هذا على تحريم الختان مطلقا في بلد من بلاد المسلمين، لغلبة المفسدة في رأيه، وغيره الذي استدل بمثله على أكثر من ذلك، وكلهم يجعلون أنفسهم في مثابة الخلفاء الراشدين ويجعلون اجتهادهم هذا مقيسا على موقف عمر رضي الله عنه في تلك المسائل التي ذكرها الشيخ رحمه الله؟؟ كيف ينضبط هذا الأمر، ومعلوم أن اجماع الصحابة رضي الله عنهم على طاعة عمر رضي الله عنه في تلك الأحكام التي خالف بها ما كان قبله - بالاضافة الى كوننا مكلفين باتباع سنة الخلفاء
¥