وروى مالك في الموطأ (2|555): عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة زوج النبي r زَوَّجَت حفصة بنت عبد الرحمن المنذر بن الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام. فلما قدم عبد الرحمن قال: «ومثلي يصنع هذا به؟ ومثلي يُفْتَاتُ عليه؟» (أي يُسبَق في تزويج بناته من غير أمره). فكلمت عائشة المنذر بن الزبير. فقال المنذر: «فإن ذلك بيد عبد الرحمن». فقال عبد الرحمن: «ما كنت لأرد أمراً قضيته». فقرت حفصة عند المنذر، ولم يكن ذلك طلاقاً. ورواه سعيد بن منصور في سننه (1|429) عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد بنحوه. وكذلك رواه ابن أبي شيبة من هذا الطريق. وفيه أن عبد الرحمن غضب، وأن أمنا عائشة t غضبت من إنكاره.
ومن الأدلة المشهورة قصة زواج بحرية بنت هانئ من القعقاع بن شور، رغم معارضة أبيها الذي كان مسيرة يوم في البادية، وقد أجاز علي t ذلك النكاح. والقصة مشهورة رواها أبو قيس الأودي (جيد ربما خالف) عن هزيل بن شرحبيل (ثقة مخضرم) عن علي بن أبي طالب t. ورواها أبو إسحاق الشيباني (ثقة ثبت فقيه) عن بحيرة نفسها، وعن زوجها القعقاع، كلاهما. تجد أسانيدها في المحلى (9|454) ومصنف عبد الرزاق (6|197).
وقد احتار الشافعية في كيفية رد هذه القصة. فقال البيهقي: «وهذا الأثر مختلف في إسناده ومتنه. ومداره على أبي قيس الأودي وهو مختلف في عدالته. وبحرية مجهولة». قلت: كلا ليس كذلك، فطرقه الصحيحة تشهد لبعضها البعض، وتقوي المتن الذي ذكرناه. وأما كثرة الطرق فهي تدل على شهرة القصة. وأما أبو القيس فلم يختلف أحد في عدالته وصدقه وصلاحه، وإنما انتقدوا له بعض الأحاديث التي خالف بها كحديث المسح على الجوربين. وهذا القصة فيها ما يدل على ضبطه، عدا عن موافقته لما رواه الشيباني عن بحرية (وقيل: بَحِيرَة) والقعْقاع.
أما قوله عن بحرية بأنها مجهولة (وقد سبقه بذلك الدارقطني)، فإن قصد برواية الحديث، فنعم ليست من رواة الحديث. وإنما هي تابعية جليلة معروفة، تزوجت اثنين من سادة قريش وصالحيهم. أبوها هو هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود بن أبي ربيعة، أحد سادة بني شيبان، وله خطبة شهيرة في موقعة ذي قار. وقد تزوجت أحد المبشرين بالجنة وأنجبت له عروة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي. ثم تزوجت التابعي الجليل عبيد الله بن عمر بن الخطاب، حتى قتل في صفين مع معاوية، وكانت منحازة لعلي. فعادت إلى أهلها في الكوفة، وهناك تزوجت من القعقاع بن شور الشيباني في غيبة أبيها، قبل هروب القعقاع إلى معاوية. والقعقاع فارس مشهور، ويضرب به المثل في المجالسة، لقصة مشهورة عند معاوية. حتى قال فيه الشاعر:
ولا يشقى بقعقاعٍ جليس * وكنت جليس قعقاع بن شور
فالمقصود أن هؤلاء كلهم من المشاهير. وهذه القصة مشهورة كذلك. فمن المحال أن يرويها أبو إسحاق الشيباني وهو ثقة فقيه، وهي باطلة لم تحدث. لكن جاء في مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة ما يشعر بأن خالها هو الذي تولى عقدة النكاح، وهذا أقرب للصواب.
أما الاحتجاج بزواج الرسول r من أم سلمة t بغير ولي، مع توكيل طفلها بمباشرة العقد (كما فعل الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء 2|249) فهو مردود، لأن راوي القصة –وهو ابن أم سلمة– مجهول ليس فيه توثيق (بل حديثه منكر لمن تتبعه). ولو صحت، لكان فيها حجة قوية على أبي حنيفة الذي يجيز للمرأة تولي العقد بنفسها.
قال ابن حزم: وصح عن ابن سيرين في امرأة لا ولي لها فولت رجلا أمرها فزوجها، قال ابن سيرين: «لا بأس بذلك. المؤمنون بعضهم أولياء بعض». ومن طريق عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: «وَلّى عمر بن الخطاب ابنته حفصة أم المؤمنين ماله وبناته ونكاحهن، فكانت حفصة أم المؤمنين t إذا أردات أن تزوج امرأة أمرت أخاها عبد الله فيزوج». وعن عبد الرزاق عن ابن جريج أنه سأل عطاء عن امرأة نكحت بغير إذن ولاتها وهم حاضرون فقال: «أما امرأة مالكة أمر نفسها، إذا كان بشهداء، فإنه جائز بغير أمر الولاة». وقال أبو ثور: «لا يجوز أن تزوج المرأة نفسها، ولا أن تزوجها امرأة. ولكن إن زوجها رجل مسلم، جاز. المؤمنون أخوة بعضهم أولياء بعض». وهو مذهب الأوزاعي. وقال داود الظاهري (أبو سليمان): «البكر لا يزوجها إلا وليها، وأما الثيب فتولّي أمرها من شاءت من المسلمين ويزوجها، وليس للولي في ذلك اعتراض». قلت: وقال الزهري
¥