والشعبي عن التزويج بغير ولي: «إن كان كُفُؤاً جاز». أخرجه ابن أبي شيبة (3|457) عنهما بإسنادين صحيحين.

4– مذهب من قال بأن النكاح يستلزم موافقة المرأة فحسب، ويجوز أن تعقد العقد بنفسها. وهذا هو مذهب أبي حنيفة (وقد خالفه صاحباه)، لكن مباشرة المرأة للعقد مكروه عنده. ويجوز للولي الاعتراض على غير الكفء. جاء في البحر الرائق (3|117): «إنما يطالب الولي بالتزويج، كيلا تنسب إلى الوقاحة. ولذا كان المستحب في حقها تفويض الأمر إليه. والأصل هنا: أن كل من يجوز تصرفه في ماله بولاية نفسه، يجوز نكاحه على نفسه. وكل من لا يجوز تصرفه في ماله بولاية نفسه، لا يجوز نكاحه على نفسه. ويدل عليه قوله تعالى {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ... } (230) سورة البقرة. أضاف النكاح إليها. ومن السنة حديث مسلم: «الأيم أحق بنفسها من وليها». وهي من لا زوج لها: بكراً كانت أو ثيباً. فأفاد أن فيه حقَّين: (1) حقه وهو مباشرته عقد النكاح برضاها، (2 حقها) وقد جعلها أحقّ منه. ولن تكون أحق إلا إذا زوّجت نفسها بغير رضاه». كما احتج أبو حنيفة بالقياس على البيع، فإنها تستقل به.

قال الحنفية: لا خلاف في أن المرأة البالغة العاقلة لها أن تتصرف في مالها بكافة التصرفات المالية من بيع وإيجار ورهن وغيرها. فيكون لها كذلك أن تتصرف في نفسها بالزواج. لأن الكلّ حقٌّ خالِصٌ لها. وإذا كان إعطاء المرأة هذا الحق يترتب عليه الخوف من لحوق الضرر بالولي، فقد تداركنا ذلك باشتراط الكفاءة فيمن تختاره المرأة زوجاً لها، محافَظَةٌ على كيان الأسرة وسمعتها.

ويرد عليهم ما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (3|10): حدثنا محمد بن خزيمة قال ثنا يوسف بن عدي قال ثنا عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة t: أنها أنكحت رجلاً من بني أخيها، جاريةً من بني أخيها، فضربت بينهما بستر ثم تكلمت. حتى إذا لم يبق إلا النكاح، أمرت رجلاً فأنكح. ثم قالت: «ليس إلى النساء النكاح». قلت: و علة هذا الأثر كثرة تدليس ابن جريج، ولم يصرح بالسماع من عبد الرحمان. قال الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء (2|249): «حديث ابن جريج فاسد. لأن أحمد بن حنبل يقول (في إسناده إلى ابن جريج): أُخبِرتُ عن عبد الرحمن بن القاسم، فصار من بينه وبين عبد الرحمن مجهولاً. والأخرى أن ابن إدريس يرويه عن ابن جريج عن عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة مرسلاً، لم يذكر فيه عن أبيه».

ويرد عليهم ما أخرجه الشافعي في مسنده (2|28) عن ابن عيينة عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة t: « لا تُنْكِحُ (تُزَوِّجُ) المرأةُ المرأةَ. إنما البغيّ (الزّانية) تُنْكِحُ نفسَها». وقد روى ابن أبي شيبة (3|458) عن ابن علية عن أيوب عن ابن سيرين بنحوه. ورواه عن أبي أسامة عن هشام عن ابن سيرين بنحوه. وأبو هريرة t من فقهاء الصحابة، وقد ولاه عمر t، وشرطه في الرجال معروف.

5– مذهب من أجاز للمرأة أن تعقد العقد بنفسها، لكن بشرط موافقة الولي. وقد نسبوا هذا القول لأبي ثور، ولا يصح عنه، فهو لا يجيز للمرأة أن تعقد العقد بنفسها. فلعل هذا القول غلط لا يقول به أحد. والله أعلم.

وقد مزج بعض العلماء (كالشافعي بين هذه المذاهب)، والسبب هو الخلاف في علة الإجبار. فقد قال البعض –ومنهم أبو حنيفة كما قد سلف– بأن العلة هي البلوغ (قياساً على التملك المالي). فالصغيرة (بكراً كانت أم ثيباً) يجوز للأب إجبارها بدون أخذ رأيها (لأنه لا رأي لغير بالغ). فأما اليتيمة (الصغيرة) فهناك خلاف في جواز أن يجبرها غير الأب، إلا أني لا أعلم خلافاً في وجوب تخييرها عند بلوغها عند من أجاز ذلك النكاح. أما لو أجبرها الأب، فقد أجازوا النكاح واختلفوا في تخييرها عند بلوغها. أما الكبيرة فلا يجوز إجبارها (بكراً كانت أم ثيباً). هذا هو قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015