وشذّ الحسن البصري وإبراهيم النخعي فأطلقاه في سائر النساء، وهو خلاف الحديث المرفوع المتفق عليه، فلعله لم يبلغهما. وقد روي عن إبراهيم خلاف ذلك، مما يدل على رجوعه. قال إسماعيل: «لا نعلم أحداً قال في الثيب بقول الحسن. وهو قول شاذ. فإن الخنساء زوجها أبوها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فرد رسول الله r نكاحه». قال ابن عبد البر: «وهو حديث مجمعٌ على صحته، و لا نعلم مخالفا له إلا الحسن».
هذا وقد جاءت الأحاديث الصحيحة المرفوعة في النهي عن إكراه المرأة البكر والثيب على الزواج ممن لا تقبل به. فلا يحل لمسلم يتقي الله ويؤمن بالله وما أنزل إلى رسوله r أن يفتي بهذا المذهب. وليُنظَر في صحيح البخاري (5|1974): «باب: لا ينكح الأب وغيره البكر أو الثيب إلا برضاها». وأخرج (#4845): من طريق مالك (وهي في الموطأ 2|535) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عبد الرحمن ومجمع ابني يزيد بن جارية، عن خنساء بنت خِذام الأنصارية t: أن أباها زَوَّجَها –وهي ثيّب– فكرهت ذلك. فأتت رسول الله r، فردّ نكاحه. فلم يستفسر رسول الله r هل هي ثيب أم بكر؟ ولا استفصل عن ذلك. ولو كان الحكم يختلف بذلك، لاستفصل وسأل عنه. أو لأخبر بذلك أصحابه، ولم يبهم الأمر. وتأخير البيان –بغير حاجة– متعذّر. والحديث قد رواه سفيان الثوري (من رواية ابن المبارك) –كما في سنن النسائي الكبرى (3|282 #5382) – عن عبد الرحمن عن عبد الله بن يزيد بن وديعة عن الخنساء، فنصت بنفسها على أنها كانت بكراً، وليست ثيباً كما ذكر مالك. وسفيان الثوري هو في أعلى مراتب الحفظ، وهو أحفظ من مالك حتى أنه كان يقول (كما في تاريخ بغداد 9|164): «مالك ليس له حفظ»، ويقصد مقارنة بطبقته من أئمة أهل الحديث الكبار. وقال الإمام يحيى بن معين –كما في تاريخ بغداد (9|164) –: «سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: سفيان الثوري أحب إليّ من مالك في كلّ شيء. يعني في الحديث، وفي الفقه، وفي الزهد». وقد رواه يحيى بن سعيد عن القاسم، عن ابني يزيد مرسلاً (كما في سنن البيهقي، وأصله عند البخاري) ولم يذكر أنها ثيب، فخالف مالكاً في المتن والإسناد. انظر علل الدارقطني (15|434 #4128). وعبد الرحمن يقبل تعدد الأسانيد، فمن الممكن -إن كانت رواية مالك محفوظة- أن يكون روى مرة عن أبيه عن ابني يزيد، وروى مرة عن عبد الله عن الخنساء. ولا شك أن الخنساء أعرف بنفسها من ابني يزيد، فصح أنها كانت بكراً.
كما أن في إجبار المرأة على الزواج ممن تكره ظلمٌ وجورٌ لها. فكيف تُحرم من تحديد شريك حياتها وتُكْره على معاشرة من تبغض؟ وليس هناك ظلم مثل أن تغيب المرأة عن الاختيار الذي سيلزمها طوال الحياة.
2– مذهب من قال بأن النكاح يستلزم موافقة الولي والمرأة معاً، على أن يباشر هو عقدة النكاح. فأجمعوا (إلا قولاً شاذاً للحسن) بأن الثيب لا يزوجها وليها بغير رضاها. وقال جمهور العلماء بأن البكر كذلك لا يزوجها وليها بغير رضاها. واحتجوا بحديث «لا تُنكَحَ الأيم حتى تُستَأمر، ولا تُنكَح البَكر حتى تُستأذَن» على ضرورة موافقة المرأة. مع العلم بأن كثيراً من العلماء جعلوا السلطان برتبة الولي (خاصة في حالة التنازع أو العضل).
3– مذهب من قال بأن النكاح يستلزم موافقة المرأة فحسب، بشرط أن يباشر عقدة النكاح رجل. ولا عبرة بموافقة أقرب العصبة إليها. هذا طبعاً إن زوّجت نفسها بكفء. أما حديث «لا نكاح إلا بولي» فقد أوّلوا الولي بأنه مِن تولية المرأة من الرجال: قريباً كان منها أو بعيداً. وهذا معناه أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى عقد نكاح نفسها –وإن أمَرَها وليها بذلك– ولا عقد نكاح غيرها، ولا يجوز أن يتولى ذلك إلا الرجال. واحتجوا بحديث «الأيم أحق بنفسها من وليّها».
¥