الصلاة وبين الزكاة فأنكرو وجوبها ووجوب أدائها إلى الإمام)) انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
ثالثا: قولك وفقك الله: ((أما الفرد المانع للزكاة فلا يكفر لأن الحاكم يستطيع أخذها منه بالقوة فهو ليس كالطائفة الممتنعة)).
قلت: هذا القول غريب جدا، فلو فرضنا وجدلا قلنا بكفر مانع الزكاة، فليس هناك فرق بين من منعها من شخص واحد أو منعها جماعة، ولم أظفر بهذا التقسيم العجيب عن أحد من العلماء رحمهم الله تعالى، أو حتى من المعاصرين وفق الله الجميع.
وأما ما سطره الأخ الفاضل أبو العباس السكندري رفع الله قدره نقلا عن الإمام المروزي رحمه الله، فهو القول الراجح كما سبقه بذلك بندر الطائي جزاه الله خيرا، وأزيد على هذا أيضا أنه قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومن المعاصرين الشيخ العلامة ابن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمهما الله تعالى، والعلامة الشيخ صالح الفوزان والعلامة الشيخ عبد الله الجبرين حفظهم الله يقولون أيضا: أن مانع الزكاة تكاسلا وتهاونا لا يكفر ما لم ينكر وجوبها، وهذا شرط كما ذكرت سابقا.
وأما ما ذكره الأخ الكريم حسن كفتة عن الإمام المروزي رحمه الله تعالى في قوله: ((وروى ذلك عن سعيد بن جبير ونافع والحكم وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه وهو قول ابن حبيب من المالكية. وخرج الدارقطني وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله الحج في كل عام قال لو قلت نعم أوجب عليكم ولو وجب عليكم ما أطقتموه ولو تركتموه لكفرتم)) فيه عدة استدراكات:
أولها: أن الإمام المروزي رحمه الله عند ذكر هذه الطائفة ذكرها بصيغة التمريض، حيث قال: ((وروي)) المشعرة بالضعف.
ثانيا: أن لفظ هذا الحديث وبهذه الزيادة ضعيف كما بين ذلك الشيخ العلامة عبد العزيز الطريفي حفظه الله عند شرحه لحديث جابر رضي الله عنه في الحج.
ثالثا: قولك جزاك الله خيرا: ((هل ترى فارقا بين قوله (فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) و (لا أدري أسبيله إلى الجنة أم إلى النار) وفق مقتضى كلام العرب؟)).
قلت: لم يرد بارك الله فيك في الحديث النبوي بهذا اللفظ الآخر، ولهذا كيف يكون حنئيذ المقارنة بين اللفظين أو الفرق بين القولين، ومع هذا سوف أنقل لك حفظك الله نماذجا لما فهمه العلماء رحمهم الله تعالى من السابقين ومن المعاصرين حول هذا الحديث والذي فيه: ((فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار))، ومن ثمى كيف حكموا على مانع الزكاة.
فقال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في ((المحلى)) (مسألة 2257): ((وحكم مانع الزكاة إنما هو أن تؤخذ منه أحب أم كره , فإن مانع دونها فهو محارب , فإن كذب بها فهو مرتد , فإن غيبها ولم يمانع دونها فهو آت منكرا , فواجب تأديبه أو ضربه حتى يحضرها أو يموت))، وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب كما في كتاب دعاوي المناؤين لدعوة الشيخ رحمه الله (1/ 96): ((قتال أهل الردة، وصورة الردة أن العرب افترقت في ردتها فطائفة رجعت إلى عبادة الأصنام، وقالوا: لو كان نبياً لما مات، وفرقة قالت: نؤمن بالله ولا نصلي، وطائفة أقروا بالإسلام وصلّوا، ولكن منعوا الزكاة، وطائفة شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولكن صدقوا مسيلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أشركه معه في النبوة، وقوم من أهل اليمن صدقوا الأسود العنسي في ادعائه النبوة وقوم صدقوا طليحة الأسدي، ولم يشك أحدٌ من الصحابة في كفر من ذكرنا، ووجوب قتالهم، إلا مانع الزكاة))، وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان (18/ 168): ((وأما قتل مانع الزكاة، فإنه إن أنكر وجوبها فهو كافر مرتد))، وقال العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في ((حكم تارك الصلاة)) (ص4): ((ولكن الراجح عندنا أنه لا يكفر، لكنه يعاقب بعقوبة عظيمة، ذكرها الله تعالى في كتابه، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، ومنها ما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه و سلم ذكر عقوبة مانع الزكاة، وفي آخره: ((ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار))، وقد رواه مسلم بطوله في باب إثم مانع الزكاة، وهو دليل على أنه لا يكفر، إذ لو كان كافراً ما كان له سبيل إلى الجنة، فيكون منطوق هذا الحديث مقدماً على مفهوم آية التوبة؛ لأن المنطوق مقدم على المفهوم كما هو معلوم في أصول الفقه))، وقال العلامة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في شريط: ((أسئلة وأجوبة في مسائل الإيمان والكفر)): ((إن مانع الزكاة إن كان يجحد وجوبها فهذا كافر ويقاتل قتال ردة، وأما إن كان منعه لها من أجل بخل وهو يعتقد وجوبها فهذا يقاتل لأجل أخذ الزكاة منه لأنه حق وجب عليه لغيره وامتنع من أدائه، وهو شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام حتى يخضع لأداء الزكاة فلا يحكم بكفره، فيقاتل لمنعه الزكاة إذا كان له شوكة تدافع عنه حتى تؤخذ منه، وأما ما نسب إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه كفرهم مطلقًا فأنا لم أطلع على هذا الكلام، لكن العلماء قالوا: يقاتل من امتنع من شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام مثل الأذان والإقامة، وليس من لازم ذلك أنه يكفر، بل يقاتل لأجل إقامة الشعيرة الظاهرة)).
وأما قولك رفع الله قدرك: ((ولعله وهم منك فقد صححه الألباني)).
قلت: بل ضعفه المحدث الألباني رحمه الله تعالى في ضعيف الجامع برقم (2562)، ولم أظفر له على تصحيح لهذا الحديث للمحدث الألباني رحمه الله.
وأما ما ذكره الأخ الفاضل صالح العواد بارك الله فيه من تضعيف أثر عبد الله بن شقيق رحمه الله تعالى، ففيه نظر، بل هو صحيح فقد أخرجه الترمذي برقم (2622)، وصححه الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((رياض الصالحين)) (1/ 335)، والشيخ العلامة ابن باز رحمه الله تعالى في ((مجموع الفتاوى)) (8/ 16)، والمحدث الألباني رحمه الله في ((مشكاة المصابيح)) (579)، وغيرهم من العلماء، ولم يضعف أثر عبد الله بن شقيق رحمه الله تعالى أي عالم فيما أعلم، والله أعلم.
¥