"ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو،
فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسي شيئا"،
وتلا: (وما كان ربك نسيا) (مريم: 64). رواه الحاكم عن أبي الدرداء وصححه،
وأخرجه البزار.
قال الإمام الغزالي: (علي أننا نقول: ليس كل غناء لغوا؛
إنه يأخذ حكمه وفق نية صاحبه، فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة،
والمزح طاعة، والنية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة وباطنه الرياء:
"إن الله لا ينظر إلي صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلي قلوبكم وأعمالكم".
(رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم).
و استدلوا بعدد من الأحاديث الصحيحة، منها:
حديث غناء الجاريتين في بيت النبي -صلي الله عليه وسلم- عند عائشة،
وانتهار أبي بكر لهما، وقوله: مزمور الشيطان في بيت النبي -صلي الله عليه وسلم-،
وهذا يدل علي أنهما لم تكونا صغيرتين كما زعم بعضهم
فلو صح ذلك لم تستحقا غضب أبي بكر إلي هذا الحد.
والمعول عليه هنا هو رد النبي -صلي الله عليه وسلم- علي أبي بكر -رضي الله عنه-
وتعليله: أنه يريد أن يعلم اليهود أن في ديننا فسحة،
وأنه بعث بحنيفية سمحة. وهو يدل علي وجوب رعاية تحسين صورة الإسلام لدي الآخرين،
وإظهار جانب اليسر والسماحة فيه.
وقد روي البخاري وأحمد عن عائشة أنها زفت امرأة إلي رجل من الأنصار فقال النبي
-صلي الله عليه وسلم-: "يا عائشة، ما كان معهم من لهو؟
فإن الأنصار يعجبهم اللهو".
وروي ابن ماجة عن ابن عباس قال: أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله فقال:
"أهديتم الفتاة؟ " قالوا: نعم قال: "أرسلتم معها من يغني؟ " قالت: لا.
فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "إن الأنصار قوم فيهم غزل،
فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم .. فحيانا وحياكم؟!
وروي النسائي والحاكم وصححه عن عامر بن سعد قال:
دخلت علي قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس، وإذا جوار يغنين.
فقلت: أي صاحبي رسول الله أهل بدر يفعل هذا عندكم؟! فقالا:
اجلس إن شئت فاستمع معنا، وإن شئت فاذهب، فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس.
. واستدلوا بما جاء عن عدد من الصحابة -رضي الله عنهم-
أنهم باشروا السماع بالفعل أو أقروه. وهم القوم يقتدي بهم فيهتدي.
قال النبي -صلي الله عليه وسلم- لحنظلة -
حين ظن نفسه قد نافق لمداعبته زوجه وولده وتغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله -صلي الله عليه وسلم-:
"يا حنظلة، ساعة وساعة" رواه مسلم.
وقال علي بن أبي طالب: روحوا القلوب ساعة بعد ساعة،
فإن القلوب إذا أكرهت عميت.
وقال رضي الله عنه إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة.
وقال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي بالشيء من اللهو ليكون أقوي لها علي الحق.
وقد أجاب الإمام الغزالي عمن قال: إن الغناء لهو ولعب بقوله:
(هو كذلك، ولكن الدنيا كلها لهو ولعب ... و المزح الذي لا فحش فيه حلال،
نقل ذلك عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وعن الصحابة.
وأي لهو يزيد علي لهو الحبشة والزنوج في لعبهم، فقد ثبت بالنص إباحته.
علي أني أقول: اللهو مروح للقلب، ومخفف عنه أعباء الفكر،
والقلوب إذا أكرهت عميت، وترويحها إعانة لها علي الجد،
فالمواظب علي التفكر مثلاً ينبغي أن يتعطل يوم الجمعة؛
لأن عطلة يوم تساعد علي النشاط في سائر الأيام، والمواظب علي نوافل الصلوات
في سائر الأوقات ينبغي أن يتعطل في بعض الأوقات،
ولأجله كرهت الصلاة في بعض الأوقات، فالعطلة معونة علي العمل،
اللهو معين علي الجد ولا يصبر علي الجد المحض، والحق المر،
إلا نفوس الأنبياء عليهم السلام، فاللهو دواء القلب من داء الإعياء،
فينبغي أن يكون مباحًا، ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه، كما لا يستكثر من الدواء.
فإذًا اللهو علي هذه النية يصير قربة، هذا في حق من لا يحرك السماع
من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها، بل ليس له إلا اللذة والاستراحة المحضة،
فينبغي أن يستحب له ذلك، ليتوصل به إلي المقصود الذي ذكرناه.
نعم هذا يدل علي نقصان عن ذروة الكمال، فإن الكامل هو الذي لا يحتاج أن يروح نفسه بغير الحق،
ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ومن أحاط بعلم علاج القلوب،
¥