بأن النصوص اعتبرت من رضي بالتحاكم إلى قوانين الكفر كافراً؛ لأنه لا يعقل أن يتحاكم إليها طوعاً مع اعتقاده أحكام الإسلام؛ بل هو عين التناقض. قال – تعالى -: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمرا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً)) [النساء: 60].

3 - وأما قولكم: إن التجنس يؤثر على الذرية فمحتمل والاحتمال يسقط الاستدلال، ونحن نرى كثيراً من أبناء الجاليات المسلمة متمسكاً بدينه وقيمه خاصة في ظل التربية الإسلامية.

ورُدّ:

بأن هذه مكابرة وتعسُّف، والذي اعتبره احتمالاً هو الواقع إلا في قليل من الناس؛ فأغلب الأسر المسلمة تشكو انحلال الأخلاق والتفلت من الدين؛ بل منهم من يرتد أولاده أو تأخذهم أمهاتهم قسراً بحكم قوانين تلك البلاد وينسبونه إلى الكفر، ولا يستطيع الوالد أن يحرّك ساكناً، وكذا لا يستطيع أن يربي أولاده أو يأطرهم على الحق لو أبوا عليه حتى لو وصل الأمر إلى الزنا وشرب الخمر – عياذاً بالله – فليس لولي البنت أو الابن أن يمنع ذلك، فضلاً عن أن يعاقب عليه؛ بل لو فعل لعوقب وأجبر على تأمين مكان مستقل لبناته وأبنائه للزنا والفجور عياذاً بالله؛ فهل هناك أعظم من هذا فساداً وانحلالاً؟

4 - وأما محذور المشاركة في جيوش الدول الكافرة؛ فأجيبَ عنه بأن الخدمة في جيوش كثير من تلك الدول اختيارية، ولو فرض أن المسلم أُكره على ذلك؛ فهو مأمور بأن يفر أو يمتنع ولو زهقت روحه.

ورُدَّ:

بأنه كان في مندوحة عن هذا البلاء؛ فلماذا يرمي نفسه في غماره، ولماذا يذلّ نفسه؟ وتقدم قوله – تعالى – ((إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً)) [النساء: 97].

فلم يعذر هؤلاء الذين بقوا في مكة مستضعفين وأكرهوا على مقاتلة إخوانهم المسلمين يوم بدر؛ فكيف بمن قبل بمحض إرادته الانضواء تحت لواء أعداء الله؟

5 - وأما قولكم بتحريم المقام في بلاد الكفر؛ فليس على إطلاقه، بل تجري عليه الأحكام الخمسة بحسب الحال كما سبق.

ورُدّ:

بأن المتجنس داخلٌ تحت سلطة الكفار وسيُضطهد في دينه لا محالة، ولن يتمكن من إظهاره، وقد ذكرنا بعضاً من الصور الواضحة في هذا، فالمقام حينئذ محرَّم إجماعاً.

الفرع الثاني: مناقشة أدلة الفريق الثاني:

ناقش المحرّمون أدلة المجوزين كما يلي:

1 - أما استدلالكم بحفظ الشريعة للكليات الخمس وأن التجنس وسيلة لذلك؛ ففي غير موضعه؛ لأنه لابد للمحافظة عليها من طريق مشروع في ذلك، لا بفعل المحرمات وترك الواجبات، ومصلحة الدين مقدمة على كل مصلحة سواها، والتجنس هادم للدين حالق له؛ فأين المصلحة فيه؟

2 - وأما تسويتكم بين التجنس والإقامة؛ فلا نُسَلّم لكم أصلاً جواز الإقامة مع المحاذير المذكورة والتي لا انفكاك عنها. قال – تعالى -: ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)) [البقرة: 120].

ولو سُلّم جواز الإقامة فالتجنس محظور؛ لأنه مختلف عنها؛ إذ يلزم منه التزامات وحقوق على المتجنِّس – كما سبق – وليس المقيم كذلك.

3 - وأما استدلالكم بجلب المصالح ودرء المفاسد؛ فإن مصلحة الرخاء والدعة ليست مقدمة على مصلحة الحفاظ على الدين؛ أفتجعل فتنة الناس كعذاب الله؟ أفتساوي هذه المصالح بالموالاة والتحاكم لغير الله وإهلاك الذرية؟ ولو سلم الأمر من ذلك مع تحصيل تلك المصالح؛ فالضرورة تقدر بقدرها، والضرورة مندفعة بالإقامة، ولا حاجة للتجنس الذي يلزم منه هذه المحن والبلايا.

4 - أما استدلالكم وكذلك أصحاب القول الثالث بالضرورة؛ فلابد أولاً من تحقق الضرورة المعتبرة؛ شرعاً لا المتوهمة ولا الحاجية ولا التحسينية؛ كرغد العيش والرفاهية، وهو حال كثير من المتجنسين.

ولو فرض تحقق الضرورة بشروطها المعتبرة؛ فلابد أن تقدَّر بقدرها، وألا تزال بضرر مثلها أو أشد، وللإنسان حِيل كثيرة ليتخلص من ضرورته دون اللجوء للتجنس.

الفرع الثالث: الموازنة والترجيح:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015