الذي يظهر بعد عرض أدلة المختلفين وردِّها إلى الكتاب والسنة والمقاصد المرعية المعتبرة، أن مذهب المحرَّمين هو الصحيح، وأدلتهم قوية سالمة من المعارض المساوي فضلاً عن الراجح.
إلا أنه قد تعتري المسألة أحوال وملابسات تبيح التجنس لضرورة ملجئة فتقدّر بقدرها. وغنيٌّ عن البيان أن الكلام ليس على من تجنس رغبة في الكفر وتفضيلاً لأحكامه واعتزازاً وافتخاراً بتلك الجنسية، ولا الكلام عمّن يتجنس لتحصيل مصالح دنيوية ليست ضرورية، بل غايتها أن تكون من التحسينيات، فالأول مرتد قطعاً، ولا يتوقف في هذا عالم، والثاني على خطرٍ عظيم وهو ممن استحبَّ الحياة الدنيا على الآخرة، ويشمله قوله – تعالى – ((قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكنُ ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)). [التوبة: 24].
وقوله – جل ذكره -: ((ومن يريد حرث الدنيا نؤته منها، وما له في الآخرة من نصيب)) [الشورى: 20].
وإنما الكلام في ثلاث حالات، وبيانها كالآتي:
1) الأقليات المسلمة التي هي من سكان تلك البلاد أصلاً؛ فهؤلاء تثبت لهم الجنسية بمجرد ولادتهم، ولا خيار لهم في ذلك؛ فهم مكرهون عليها ولا إثم على مكره، ولا تستقيم لهم حياة بدون جنسية؛ فهي في حقهم ضرورة، لكن مع ذلك لابد أن يلتزموا بأحكام الإسلام جهدهم ويُظهروا دينهم وإلا وجب عليهم التحول ولزمتهم الهجرة، والهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.
ومن اختار البقاء أو ضاقت به السبل فليعمل على إظهار دينه ما استطاع، أو ليعزم على الهجرة لبلاد المسلمين متى ما أمكنه ذلك، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
2 - من اضطر إلى التجنس بسبب اضطهاده في بلده الأصلي، أو للتضييق عليه في نفسه أو عرضه أو قوته، أو كان لا يحمل جنسية أصلاً ومنع من الإقامة إلا بالتجنس؛ فهؤلاء إن لم يمكنهم دفع ضرورتهم الواقعة المعتبرة؛ فلهم التجنس من باب ((الضرورات تبيح المحظورات)). قال – تعالى – ((وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه)) [الأنعام: 199].
وقد أباح الشرع النطق بكلمة الكفر حال الإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان. قال – تعالى -: ((من كفر بالله من بعد إيمانه)) [النحل: 106]، وقال – سبحانه -: ((لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة)) [آل عمران: 28].
ولكن لابد أن تقدَّر الضرورة بقدرها بعد تحقق كونها ضرورة ملجئة، وتعيُّن التجنس مزيلاً لها: بشرط أن لا تذوب شخصيته في شخصية الكفار، وأن يأمن على نفسه وأهله وأولاده الفتنة، وأن يستشعر انتماءه للإسلام وأهله، وينوي الرجوع إلى بلاد المسلمين متى زال عذره، وأن ينكر المنكرات بقلبه إن لم يمكنه ذلك بيده ولسانه، وأن يتخير البلد الذي يستطيع فيه إظهار دينه بلا غضاضة عليه؛ كحال المسلمين عند هجرتهم إلى الحبشة.
وانتفاء المفاسد التي ذكرناها آنفاً في حقه؛ فهذا باب يسوغ فيه النظر والاجتهاد والموازنة بين المصالح والمفاسد، ((والله يعلم المفسد من المصلح)) [البقرة: 220].
والله عند قلب المرء ولسانه ولا يخفى عليه شيء من أمره. والله – تعالى – أعلم.
المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسلِمه، ولا يخذله)). فت الألسن. بها أفضل الصلاة أزكى السلام والتحية، فغدت
مجلة البيان
العدد 245
د. محمد بن يسري بن إبراهيم
رئيس مجلس إدارة مركز فجر للغة العربية
ـ[المسندي]ــــــــ[25 - Jul-2008, صباحاً 06:08]ـ
هناك قول اهمله الجامع؟؟ وهو ان ذلك كفر بالله العظيم.
ـ[نبراس]ــــــــ[25 - Jul-2008, مساء 12:10]ـ
بارك الله فيك اخي التونسي على مشاركتك الغنية و ارجوا من الأخوة إثراء النقاش
ـ[نبراس]ــــــــ[25 - Jul-2008, مساء 12:21]ـ
ارى ان البحث لم يتطرق بمعمق لحالة الشخص الذي يتجنس لمصالح دينية خاصة الدعوة كما انه لم يتطرق لذوي الجنسيات المزذوجة