فإذا صار الوضع كذلك؛ فلا مانع من التجنس لوجود المصلحة الخالية عن المفسدة الراجحة أو المساوية.

2 - أن الإقامة في بلاد الكفر جائزة إن استطاع المرء إقامة دينه وإظهاره وأمِن الفتنة، والتجنس لا يزيد على الإقامة إلا بمجرد الانتساب إلى الدولة، وهو في الوقت ذاته يُكسِب المتجنس قوةً وصلاة في المجتمع كما سبق.

قال الشيخ الدكتور وهبة الزحيلي: ما دمنا قد قلنا بجواز الإقامة في دار الكفر؛ فإنه يتفرع عنه جواز التجنس؛ لأنه ما هو إلا لتنظيم العلاقة؛ فهي تسهل لهم الأمور وتسهل أيضاً الاستفادة من خدماتهم [1] [1] [24].

3 - إننا نسلِّم وجود بعض المفاسد في التجنس، لكن ما ذكرناه من مصالح كلية ومقاصد شرعية يربو عليها، ومعلوم أنه يتحمل الضرر الأخف لجلب مصلحة تفويتُها أشد.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

((إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإنها ترجّح خير الخيرين وتدفع شر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أ [1] [1] [25].

وفي فتوى المعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن: ولو تجنس مسلم بهذه الجنسية لدعوة أهلها إلى الإسلام أو تبليغ الأحكام الشرعية إلى المسلمين المقيمين بها؛ فإنه يثاب على ذلك، فضلاً عن كونه جائزاً [1] [1] [[1] [1] [1] [1] 16].

4 - أنه أحياناً يضطر المسلم إلى التجنس بجنسية تلك الدول محافظةً على حياته؛ كأن يكون فارّاً من بلده الأصلي، أو لم يُمنح جنسية دولة إسلامية تحميه وتمكنه من العيش فيها كاللاجئين الفلسطينيين، وقد لا يسمح له بالمقام إلا بالتجنس، وكذا لو انعدم مصدر قُوته وقوت عياله في بلاد المسلمين، والقاعدة الفقهية الكلية: أن الضرر يُزال، وأن الضرورات تبيح المحظورات.

5 - أن في الخروج من تلك البلاد وترك جنسياتها إضعافاً للإسلام والمسلمين هناك؛ بحيث لا ترجى له رجعة؛ كما حدث في الأندلس وصقلية؛ إذ أخرج منها المسلمون وحلّ النصارى محلهم. أما أن يثبت وضع المسلمين هناك ويقوى فهو السبيل لدعوتهم ونشر الدين بينهم.

6 - وأما القول الثالث فهو مقيّد بالضرورة، ودليلهم واضح كما في الدليل الرابع لأصحاب القول الثاني، وفيما عدا ذلك لا يبيحون التجنس موافقةً لمن قال بالتحريم، فمآلُ قولهم كالقول الأول، وحالة الضرورة مستثناة؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات بشروطها.

7 - وأما القول الرابع ففيه تفصيل سبق ذكره، وأدلتهم في الصور المحرمة كأدلة المحرِّمين، وفي المباحة كأدلة المجوّزين.

المطلب الثالث: المناقشة والترجيح:

الفرع الأول: مناقشة أدلة الفريق الأول:

1 - أما استدلالكم بالنصوص القطعية المحرمة للموالاة والتحاكم لغير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فمسلّم ولا نزاع فيه بين أهل الإسلام، وكلامنا في تجنس لا يلزم منه حبُّهم ولا نُصرتهم ولا رضا القلب بمنكراتهم أو مشاركتهم فيها. والمتجنس مأمور بأن يكون ولاؤه لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن يُظهر دينه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وأن يتحاكم لشريعة الله، ويمكن أن يوصي بذلك في ميراثه إذا مات، على أن أكثر الدول الإسلامية لا تحكّم شريعة الله، وفيها من الربا والظلم ما لا يخفى، فما الفرق؟

ورد هذا الجواب:

إن مجرد التجنس هو إعلان من المرء عن خضوعه لأحكام الكفر وقبوله الولاء للكفر وأهله، سواء خضع بالفعل أو لم يخضع.

ثم إنه لم يسلم من الوقوع في الحرام أو المشاركة فيه لأن صبغة المجتمع هكذا، بخلاف دول المسلمين؛ فيمكن للمرء أن يجد مندوحة وأن يتعامل بمعاملات شرعية مع إخوانه المسلمين؛ إذ لا تجبره قوانين بلاده على الربا في الغالب، وسيجد من يعينه على ذلك.

2 - وأما قولكم: إن التجنس يؤدي إلى إنكار ما عُلم من الدين بالضرورة وهو كفر؛ فلا يلزم من التجنس هذا اللازم؛ بل لو تلبس المتجنس ببعض المحرمات فلا يلزم منه استحلالها بقلبه، وأهل السنة مجمعون على عدم تكفير المسلم بذنب ما لم يستحله.

ورُدّ:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015