4 - أن مقتضى التجنس المشاركة في جيش الدولة المانحة للجنسية والدفاع عنها إذا قامت بينها وبين غيرها حرب ولو كانت حربها ضد المسلمين، فهذا من أعظم الموالاة للمشركين والمناصرة لهم، والنصوص المذكورة آنفاً طافحة بتكفير من فعل هذا. وقد سمى الله من أظهر الموالاة للمشركين خوفاً من الدوائر منافقاً؛ كما في قوله – سبحانه –: ((ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم)) [الحشر: 11]؛ فكيف بمن أظهر ذلك لهم صادقاً ودخل في معصيتهم وانتسب إليهم؟
وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: ((من حمل علينا السّلاح فليس منّا)) 23].
5 - أن للتجنس آثاراً في غاية السءو على النشء والذرية من انحلال وتسيّب، وانطماس للهوية، ونبذ لأحكام الدين وإعراض عنه، وموالاة للمشركين ومعاداة للمؤمنين، ولا ينازع في كون هذا واقع المتجنس أو أغلبهم إلا مكابر.
6 - أن التجنس إقامة وزيادة، والأدلة واضحة في تحريم المقام بدار الكفر، لاسيما مع عدم استطاعة إظهار شعائر الدين، فيحرم إجماعاً، وهذا واقع المتجنسين؛ إذ لا يمكن للمرء أن يتحاكم إلى شريعة الله هو وأهله وأولاده، أو يربي أولاده على الدين ويأطرهم على الحق أطراً هنالك، لا يشك في ذلك من له أدنى إطلاع على أحوال القوم.
قالوا: ولا عذر لهؤلاء المتجنسين؛ لأنهم ليسوا بمكرهين حتى نقول ما قال الله تعالى: ((من كفر بالله من بعد إيمان إلا من أكره وقلبه مطئمن بالإيمان)) [النحل: 106]، بل هم مختارون راضون، وليس ما ينتظرونه وراء التجنس من حطام الدنيا وحظوظ العاجلة بمسوِّغ لهذا التجنس، بل يجب أن يفر المرء بدينه متى استطاع وإن ذهبت دنياه. اقرأ إن شئت قوله – تعالى – ((قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيل الله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)) [التوبة: 24].
وقد أوجب الله الهجرة من دار الكفر إن خاف المسلم على نفسه الفتنة، وتوعّد الله – سبحانه – أولئك الذين يبقون في أوطانهم بين الفتنة وهم قادرون على الهجرة، فقال – جل من قائل -: ((إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا بيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً)) [النساء: 97].
وتوعد – سبحانه – من يعبده على حرف، فقال: ((ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خيرٌ اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة)) [الحج: 11].
وقال – تعالى -: ((ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصرٌ من ربك ليقولن إنا كنا معكم)) [العنكبوت: 10].
· أدلة المجوّزين:
عامة أدلة المجوزين عقلية، ومرجعها إلى قاعدة تحقيق المصالح ودرء المفاسد، ولا ريب أن هذا يتطلب نظراً دقيقاً وتحقيقاً للمناطات، ويختلف من واقع لآخر، ومن مكان إلى مكان.
فمن أدلتهم:
1 - أن الشريعة الإسلامية جاءت لتحافظ على الكيات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، وكلّ ما كان سبيلاً للمحافظة على هذه الضروريات فهو مشروع، والتجنس بجنسيات هذه الدول يوفر للإنسان حياة كريمة وطمأنينة وأمناً وتمتعاً بحقوق وحريات تنعدم غالباً في الدول الإسلامية في واقعنا المعاصر؛ بل تيسر له أبواباً في التعبد والدعوة ونشر العلم لا نظير لها في الدول الإسلامية؛ لأن مبنى دول الغرب على العلمانية لا على أساس ديني، فإذا كان التجنس وسيلة لتحقيق هذه المصالح المشروعة فهو إذاً مشروع.
قالوا: ومن حرّم التجنس من أهل العلم فإنما حرمه لظروف خاصة في الاحتلال ونحوه، أو خوفاً من الذوبان في الشخصية الغربية، أما إذا تغير الوضع وصارت الجنسية تعطي المتجنس قوة وصلاة وقدرة على المطالبة بالحقوق وإبداء رأيه، والتصويت في الانتخابات لمن يخدم قضيته دون أن يتنازل عن دينه، ويعايش من حوله بالمعروف ويحسن معاملتهم؛ كما قال – جل وعلا -: ((لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)) [الممتحنة: 8].
¥