وهذا القول - أعني قول من قال: عُني به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما في قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} - أولى بالصواب، لأن قوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} في سياق قصة الذين ابتدأ الله الخبر عنهم بقوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك}، ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم، فإلحاق بعض ذلك ببعض، ما لم تأت دلالة على انقطاعه أولى.
فتكون هذه الآية متصلة بما قبلها في سياق واحد .. وتكون تأكيداً على كفر من يتحاكم إلى الطاغوت ولم يرض بحكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - .. وفي ذلك يقول الرازي في تفسيره:
المسألة الثالثة: مقصود الكلام أن بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض أهل الطغيان، ولم يرد التحاكم إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال القاضي: ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر، وعدم الرضا بحكم محمد - عليه الصلاة والسلام - كفر، ويدل عليه وجوه: الأول: انه تعالى قال: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيماناً به، ولا شك أن الايمان بالطاغوت كفر بالله، كما أن الكفر بالطغوت إيمان بالله. الثاني: قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} إلى قوله: {وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء: 65] وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول - عليه الصلاة والسلام -. الثالث: قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة، وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول - عليه الصلاة والسلام - فهو خارج عن الاسلام، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد، وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة اليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم.
ويقول الرازي أيضاً:
المسألة الرابعة: اعلم أن قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} قسم من الله - تعالى - على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الايمان إلا عند حصول شرائط: أولها: قوله تعالى: {حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمناً ... الشرط الثاني: قوله: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ} قال الزجاج: لا تضيق صدورهم من أقضيتك.
واعلم أن الراضي بحكم الرسول - عليه الصلاة والسلام - قد يكون راضياً به في الظاهر دون القلب، فبين في هذه الآية أنه لا بد من حصول الرضا به في القلب. واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر، فليس المراد من الآية ذلك، بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق.
الشرط الثالث: قوله تعالى: {وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقاً وصدقاً قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد، أو يتوقف في ذلك القبول، فبين - تعالى - أنه كما لا بد في الإيمان من حصول ذلك اليقين في القلب. فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر، فقوله: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ} المراد به الانقياد في الباطن، وقوله: {وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} المراد منه الانقياد في الظاهر، والله أعلم. .
ويقول القرطبي:
قوله تعالى: {فَلا} أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم مؤمنُون ثم لا يرضون بحكمك، ثم استأنف القَسَم: {وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ}، ويجوز أن يكون {لا} في قوله {فَلا} صلة، كما في قوله: {فَلا أُقْسِمُ} حتى يُحكِّمُوك: أي يجعلوك حكمًا، {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} أي: اختلف واختلط من أمورهم والْتَبَسَ عليهم حُكمه، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها ببعض، {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا} قال مجاهد: شكًّا، وقال غيره: ضِيقًا، {مِمَّا قَضَيْتَ} قال الضحاك: إثْمًا، أي: يأثمون بإنكارهم ما قضيت، {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أي: وينقادوا لأمرك انقيادًا.
فإذا علمنا أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها في سياق واحد، وأنها تشنيع على المنافقين في آية التحاكم لتنكبهم عن طاعة الله ورسوله، ورغبتهم في طاعة الطاغوت والانقياد لحكمه (كما بيّنا ذلك آنفاً)، فإن الله يقول إنهم لا يؤمنون حتى يتحاكموا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جميع أمورهم .. وكما قلت آنفاً، هذا نظير قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} ..
وكل هذه الآيات تفهم في سياق واحد، وهو سياق الطاعة، وهي تبيّن حال الذين يتولون عن طاعة الله ورسوله، ويبتغون طاعة الطاغوت .. كما قال تعالى: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3].
هذا، والله أعلم ..
وللحديث بقية، إن شاء الله
¥