ثم يؤكد الله - عز وجل - هذه الحقيقة، أنهم متولون عن الطاعة، غير مسلّمين إلى الله، وليسوا بمنقادين إلى شرعه، فذكر أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، يتولون ويعرضون، ويأبون إلا حكم الطاغوت المخالف لشرع الله.

وبعد آيتين من ذلك، يُعيد الله - عز وجل - نظم الآيات على المنوال السابق، فبدأ بالأمر بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وصاغه في أسلوب خبري يفيد الأمر، فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ}، وهذا نظير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}، ثم أعاد الأمر برد الخلاف إلى الله ورسوله، فقال: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} .. وهو نظير قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} ..

فالآيات على نسق ونظم واحد، مع اختلاف الصياغة.

وهاهنا نكتة لطيفة، وهي أن آية الطاعة الأولى كانت في المؤمنين، وآية الطاعة الثانية كانت في المنافقين .. مع اتفاق المعنى.

وبيّن الله - عز وجل - في هذه الآية أن العلة الوحدى، والسبب الفريد في إرسال الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي طاعته فيما أمر، جاء بأسلوب نفي يتلوه استثناء .. فمن يتنكب عن هذه الطاعة، فهو قد أبطل الغرض من الرسالة، وجحدها، فيكفر بذلك .. لذلك أمرهم بالاستغفار لما بدر منهم من نقض وخرق للغرض من إرسال الرسل، وهو الطاعة، ثم أقسم بنفسه المقدسة أنهم لا يؤمنون حتى يتحروا الحق من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو بالأحرى .. شريعته، فيكون هو المتبع الأوحد في أحكامه، ولا أحد غيره .. ثم إن هو قضى بينهم، لا يحل لهم أن يتحرجوا أو يضيقوا من حكمه، بل على صدورهم الانشراح له وحبه وقبوله، فيسلموا له تسليماً، باطناً وظاهراً.

يقول ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية:

وقوله: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}: يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً؛ ولهذا قال: {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليماً كلياً، من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به).

ويقول الطبري في تفسيره:

يعني - جل ثناؤه - بقوله: {فلا}: فليس الأمر كما يزعمون: أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك إذا دعوا إليك يا محمد، واستأنف القسم - جل ذكره - فقال: {وربك}، يا محمد، {لا يؤمنون}، أي: لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك، {حتى يحكموك فيما شجر بينهم}، يقول: حتى يجعلوك حكمًا بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه. يقال: " شجَر يشجُر شُجورًا وشَجْرًا "، و" تشاجر القوم "، إذا اختلفوا في الكلام والأمر، " مشاجرة وشِجارًا ". {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت}، يقول: لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما قضيت. وإنما معناه: ثم لا تحرَج أنفسهم مما قضيت، أي: لا تأثم بإنكارها ما قضيتَ، وشكّها في طاعتك، وأن الذي قضيت به بينهم حقٌّ لا يجوز لهم خلافه.

وفي ربط هذه الآية بآية التحاكم، يقول الطبري:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015