ـ[أبو شعيب]ــــــــ[27 - May-2008, مساء 07:01]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم،
نستكمل - إن شاء الله - دراسة هذه الآيات.
==============
إذا تأملنا جميع آيات الحكم والتحاكم، لوجدنا أنها آتية في سياق يصف الذين يتولون عن طاعة الله ويبغضون حكمه، ويرومون حكم الطاغوت وطاعته ..
وكما بيّنت آنفاً، فالتحاكم إنما هو وسيلة إلى الطاعة، فبه يتبين حكم الله وما أمر به في واقعة ما، فيعلم المؤمنون ما أمر به ربهم وأوجبه عليهم، فيطيعونه، وليس هو مطلوباً لذاته، بل لغايته.
وهذا الإيضاح لهذه المسألة مهم جداً، وهو أهم أصول قضية التحاكم التي نحن بصدد الحديث عنها.
------
يقول الله تعالى بعد تلك الآية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} ..
هذه الآية تبيّن بجلاء أن هؤلاء المنافقين كانوا متولين عن طاعة الله ورسوله، مريدين لحكم الطاغوت مؤثرين له، مبغضين لحكم الله تعالى نافرين عنه .. حيث إنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، صدوا عن السبيل، وتنكبوا عن الإذعان، بما ينم عن بغض في قلوبهم .. كما قال الله تعالى في سورة النور:
{وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ (48) وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)}
فالمسألة هنا أنهم لا يريدون حكم الله ويريدون حكم الطاغوت .. وعلى هذا يصح دخولهم في قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32] .. فهؤلاء تولوا ظاهراً وباطناً، فكفروا.
وللحديث بقية إن شاء الله
ـ[أبو شعيب]ــــــــ[29 - May-2008, صباحاً 11:51]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم،
ثم أعاد الله - عز وجل - أمره الأول بالطاعة، فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} ..
يقول الرازي في تفسيره:
قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله} واعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الرسول في قوله: {وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الامر مِنْكُمْ} ثم حكى أن بعضهم تحاكم إلى الطاغوت ولم يتحاكم الى الرسول، وبين قبح طريقه وفساد منهجه، رغب في هذه الآية مرة أخرى في طاعة الرسول فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله}
فهذه الآيات تشكل تركيباً متكاملاً ومنسجماً ومتسقاً مع بعضها.
فنسق الآيات يكون على النحو التالي:
يأمركم الله - عز وجل - بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منكم، وفي حال الطاعة واتباع حكم الله ورسوله، إن عرض لكم عارض، فاختلفتم في شيء لا تعلمون وجه طاعة الله فيه، فردّوه إلى الله والرسول حتى يتبيّن لكم حكم الله فتطيعوه.
فهذا كان وصف المؤمنين الذين يطيعون الله تعالى في جميع أمورهم، فهو الانقياد التام والاتباع المطلق لأمر الله ورسوله، لا يحيدون عن ذلك بشيء .. بل الأمر والطاعة كلها لله تعالى ولشرعه.
ولكن المنافقين الذين يزعمون الإيمان، لم يؤمنوا حقيقة، فإنهم لم يسلّموا بطاعة الله تعالى، ولا يريدون اتباع شرعه وحكمه، لذلك تراهم عند النزاع يبغون حكم الطاغوت، لأنهم يعلمون أن الحق ليس لهم، كما قال تعالى: {وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [النور: 49] .. وإلا، فما غرضهم من التحاكم إلى الطاغوت غير اتباعه؟؟ .. فأسباب نزول هذه الآية الواردة في كتب السنة تثبت ذلك، أن هذا المنافق أراد حكماً مخالفاً لحكم الله، لأنه ظالم والحق ليس له، فذهب إلى من يقبل منه الرشوة.
¥