وتصديرُ (إن) الشرطية بالفاء لترتبها على ما قبلها، فإن بيانَ حكمِ طاعةِ أولي الأمرِ عند موافقتِها لطاعة الله تعالى وطاعةِ الرسولِ - عليه السلام - يستدعي بيانَ حكمِها عند المخالفةِ، أي إن اختلفتم أنتم وأولوا الأمرِ منكم في أمر من أمور الدِّين فراجعوا فيه إلى كتاب الله {والرسول} أي إلى سننه
فحكم مقطع {فإن تنازعتم في شيء} .. داخل في ما قبله وهو {أطيعوا الله وأطيعو الرسول وأولي الأمر منكم} .. فيكون الأصل هو الطاعة، وعند حدوث التناع والاختلاف، فلا يُعلم وجه الطاعة الحق، يرد النزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - حتى يتبين لهم وجه هذه الطاعة التي يريدها الله تعالى.
قال الرازي في تفسيره:
المسألة السادسة: هذه الآية دالة على أن ما سوى هذه الأصول الأربعة: أعني الكتاب والسنة والاجماع والقياس مردود باطل، وذلك لأنه تعالى جعل الوقائع قسمين: أحدهما: ما تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالطاعة وهو قوله: {ياأيها الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ} والثاني: ما لا تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالاجتهاد وهو قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول}
يدل كلامه على أن التنازع يكون في الأمور التي لا يتضح حكم الله فيها، فما اتضح حكم الله فهو داخل في قوله: {أطيعوا الله والرسول} .. وما لم يتضح يدخل في قوله: {فإن تنازعتم في شيء} .. حتى يتضح، فيأخذ حكم الأول، وتجب الطاعة فيه.
قال الطبري في تفسيره:
يعني بذلك جل ثناؤه: فإن اختلفتم، أيها المؤمنون، في شيء من أمر دينكم: أنتم فيما بينكم، أو أنتم وولاة أمركم، فاشتجرتم فيه، "فردوه إلى الله"، يعني بذلك: فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم - أنتم بينكم، أو أنتم وأولو أمركم - فيه من عند الله، يعني بذلك: من كتاب الله، فاتبعوا ما وجدتم.
فأصل المسألة في هذه الآية قائم على الطاعة والاتباع .. وما التحاكم إلا وسيلة لبيان حكم الله الواجب الاتباع.
والله أعلم،
للحديث بقية إن شاء الله
ـ[أبو شعيب]ــــــــ[26 - May-2008, صباحاً 06:04]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم،
بعدما ذكر الله - عز وجل - أمره لعباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر، وأن من تمام هذه الطاعة وتمام تحقيقها رد المتنازع فيه إلى من وجب عليهم طاعته أصلاً، أي كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، حتى يتضح حكم الله فيتبعوه ويطيعوه .. ذكر حكم الذين يتولون عن طاعة الله ورسوله، ويتنكبون عن معرفة الحق الذي أنزله الله، فيؤثرون حكم الطاغوت على حكم الله، فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} .. أي أنهم طلبوا حكم الجاهلية ليكون فيصلاً في النزاع، فيكون هو المتبع والمطاع دون حكم الله وشرعه.
جاء في البحر المحيط:
ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، لأنه تعالى لما أمر المؤمنين بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر، ذكر أنه يعجب بعد ورود هذا الأمر من حال مَن يدَّعي الإيمان ويريد أن يتحاكم إلى الطاغوت ويترك الرسول.
بمعنى أنه بتحاكمه إلى الطاغوت إنما هو أراد طاعته واتباعه .. ولا شك أن طاعة الطاغوت واتباعه كفر أكبر.
جاء في تفسير ابن كثير لسورة النور:
وقوله: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} أي: إذا طلبوا إلى اتباع الهدى، فيما أنزل الله على رسوله، أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه. وهذه كقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (*) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60، 61].
تأمل كيف جعل التحاكم قائماً على الاتباع.
وجاء في تفسير أبي السعود:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} تلوينٌ للخطاب، وتوجيهٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعجيباً له من حال الذين يخالفون ما مرَّ من الأمر المحتومِ، ولا يطيعون الله ولا رسولَه، ووصفُهم بادعاء الإيمانِ بالقرآن وبما أنزل من قبله، أعني التوراةَ، لتأكيد التعجيبِ وتشديدِ التوبيخِ والاستقباحِ بإظهار كمالِ المبايَنةِ بين دعواهم وبين ما صدر عنهم.
فهؤلاء المذكورون في هذه الآية خالفوا آية الطاعة .. فكان التحاكم إلى الطاغوت مناقضاً لأمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله.
وجاء في تفسير الرازي:
اعلم أنه - تعالى - لما أوجب في الآية الاولى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول، ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه، وإنما يريدون حكم غيره
خلاصة الأمر، أن هذه الآية متعلقة بما بعدها، وهي تبيّن حال الذين تنكبوا عن طاعة الله ورسوله، وأرادوا طاعة الطاغوت وحكمه.
هذا، والله أعلم ..
وللحديث بقية إن شاء الله.
¥