كذلك يبين العز بن عبد السلام أن الظن المنهي عنه في الآية والحديث هو أن نبني الأحكام على ظن لا يجوز البناء عليه،مثل أن يظن بإنسان أنه زنى أو سرق أو قطع الطريق أو قتل نفسا أو أخذ مالا أو ثلب عرضا، فأراد أن يؤاخذه بذلك من غير حجة شرعية يستند إليها ظنه.

هذه هي أقوال العلماء في تفسير الآية الكريمة،مع ملاحظة أن ما ذكره القرطبي من السبب الموجب للظن والأمارة الصحيحة إنما يقصد به ما صرح به العز بن عبد السلام بأنه الحجة الشرعية.

فلنجعل هذا التفسير مع الآية ميزانا للصورة التي معنا،وهي: فتاة قدمت إلى الطبيب تخبره أن غشاء بكارتها قد تمزق وتريد أن يصلحه لها، ولم يسبق أن صدر عليها حكم بالزنى، ولم تعترف به أمام الطبيب،ولا رآها وهي تزني،ولا هي مشتهرة بالبغاء، فأية حجة شرعية بعد ذلك يستطيع الطبيب أن يبني عليها ظنه؟ ليس أمامه إلا مجرد كون بكارتها ممزقة، فهل هذه حجة شرعية وهل هي أمارة صحيحة على الزنى؟

إن أحدا من فقهاء المسلمين لم يقل ذلك، وطرق إثبات الزنى معروفة في القرآن والسنة وعند الفقهاء،وليس فيها تمزق بكارة المرأة كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.

وإن كان كذلك فإن الظن الذي يبنيه الطبيب على هذه الأمارة الفاسدة داخل في الظن المنهي عنه، فينبغي أن يحجم عنه. فإن لم يمكنه التخلص منه نفسيا فلا أقل من أن لا يرتب عليه شيئا عمليا، ويعاملها بمقتضى حسن الظن ويحمل أمرها على الصلاح، ويلبي طلبها إن كان ذلك في مقدوره.

روى الزهري أن رجلا تزوج امرأة فلم يجدها عذراء كانت الحيضة خرقت عذريتها فأرسلت إليه عائشة رضي الله عنها أن الحيضة تذهب العذرة يقينا. وعن الحسن والشعبي وإبراهيم في الرجل إذا لم يجد امرأته عذراء ليس في ذلك شيء؛ لأن العذرة تذهبها الوثبة وكثرة الحيض والتعنيس والحمل الثقيل.

ومن جهة أخرى فإن الأصل براءة الذمة،ومن كان معه هذا الأصل كانت جنبته قوية لا يضعفها إلا حجة شرعية معاكسة ولا يضعفها مجرد ظن أو شك أو أمارة لم يعتبرها الشرع، فيكون القول قوله مع غياب تلك الحجة؛ يقول العز بن عبد السلام في توضيح هذا الأصل (الأصل براءة ذمة الإنسان من الحقوق وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات،ويراءته من الانتساب إلى شخص معين،ومن الأقوال كلها،والأفعال بأسرها).

وإذا كان الأصل كذلك فإن الأصل براءة الفتاة من الزنى، ولا يضعف هذا الأصل اكتشاف تمزق بكارتها؛ لأن هذه ليست أمارة شرعية كما تقدم، ويجب حمل حالها على هذا الأصل، ومعاملتها على أساسه، وأن يؤخذ بقولها،ما دامت لم تقم على عكس هذا الأصل أية حجة معتبرة في الشرع.

وبناء على ما تقدم فإن حكم رتق البكارة التي لم يعرف الطبيب سبب تمزقها كحكم الحالة التي يعرف أن سبب التمزق فيها راجع إلى حادثة ليست معصية كالسقطة ونحوها.

الخاتمة

نخصص خاتمة هذا البحث لتوضيح طبيعة ما توصلنا إليه من أحكام، ومدى ارتباطها بالعرف،وقابليتها للتغير بتغيره، وللرد على شبهتين قد تثاران حولها أو حول البحث، وذلك في المطلبين الآتيين:

المطلب الأول

طبيعة تلك الأحكام ومدى قابليتها للتغير

إن المصالح التي تعتبر عملية الرتق مظنة لتحقيقها، والتي سبقت الإشارة إليها في مطلع هذا البحث، وكذلك المفاسد التي يمكن أن تنشأ عن إحجام الأطباء عن تلك العملية، معظم تلك المصالح والمفاسد من حيث احتمال وقوعها مترتب على الأعراف والتقاليد الاجتماعية التي نشأت في كثير من المجتمعات الإسلامية، والتي عولت كثيرا على وجود غشاء البكارة ليلة الدخول، وأعطت لتمزقه أهمية أعظم بكثير مما أعطاه الشرع، وحجما أكبر من الحجم الشرعي، واعتبرته دليلا على سبق الوقوع في فاحشة الزنى

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015