ولو أن هذه المجتمعات التزمت الحد الشرعي في هذه المسألة، ولم تعط تلك الأهمية لتمزق البكارة، ولم تقبل دليلا على الفاحشة سوى ما نصبه الشرع من الأدلة ولو أنها التزمت الأصول والقواعد الشرعية في مواجهة هذه المسألة، فحملت أمر الفتاة على أصل براءة الذمة،وافترضت فيها الصلاح .. أعني لو تغيرت لتك الأعراف والتقاليد إلى ما ذكر، لما كان رتق غشاء البكارة مظنة لما قدمنا من المصالح، ولما كان الإحجام عنه مظنة لما يقابلها من المفاسد؛ إذ عندئذ لن يكون فيه معاني الستر ودفع الظن وتحقيق مبدأ العدالة بين الرجل والمرأة فيما لم يميز الشرع بينهما فيه، ولا المعاني التربوية التي أشرنا إليها في صدر هذا البحث.

ولا يكون لهذا العمل سوى تلبية رغبة بعض الخطاب الذين يشترطون في الفتاة المخطوبة أن يكون لها عذرة، وأغلب الظن أن هذه الرغبة سوف تقل إلى مدى بعيد لو أن تلك الأعراف تبدلت إلى الحالة التي ذكرنا، وهي لا تزيد في أهميتها عن رغبة من يشترط في الفتاة طولا زائد أو بياضا أو سمرة أو صغرا في السن أو كبرا له، ونحو ذلك. مع أن فريقا من الفقهاء لم يعولوا على مثل هذه الشروط، وإن اشترطت صراحة، ولم يروا رد الفتاة بتخلفها.

لو حدث مثل هذا فإن مجرى النقاش سوف يتغير بحيث يصبح حول مدى تحقق وصف الضرورة أو الحاجة المتمثلة في احتمال وقوع مثل ذلك الاشتراط من بعض الخطاب، والتي تبيح كشف عورة المرأة على الطبيب.

والرأي عندئذ عدم كفاية هذه المصلحة المحتملة لإباحة الكشف عن عورة المرأة أمام الطبيب،وبخاصة إذا قلنا بالرأي الذي يهمل ذلك الاشتراط، ولا يعول عليه إلا إذا أصبح الاشتراط ظاهرة اجتماعية متفشية؛ إذ يكون ذلك بداية العودة إلى التقاليد التي حملتنا إلى القول بتلك الأحكام، والتي قامت أساسا على نصب تمزق البكارة أمارة على انحراف الفتاة.

المطلب الثاني

شبهتان والرد عليهما

الشبهة الأولى:

قد يقول قائل:

إن ما أسلفت من الدعوة إلى عدم التعويل على تمزق البكارة، وتغيير الأعراف المبنية على ذلك دعوة إلى التشبه بما عليه المجتمعات الغربية التي غدت لا تكترث بذلك الأمر، مما أدى إلى الفوضى الجنسية وانتشار فاحشة الزنى.

والجواب عن هذه الشبهة:

أن ما دعوت إليه هو الوضع الصحيح الذي يتفق مع روح الشريعة، ومقاصدها وقواعدها في هذه المسألة؛ فإن من قواعدها أن لا يتهم العباد بغير أدلة معتبرة في الشرع، وأن الأصل فيهم البراءة مما يدينهم، وأن هذا الأصل لا يغيره إلا ما نصبه الشرع من الحجج، وأن الفتاة لا يثبت زناها إلا بشهود أو اعتراف أو حبل، وأن تمزق البكارة لا يدل على ذلك من قريب ولا بعيد، وأن إلصاق التهمة بها مع غياب تلك الأدلة من سوء الظن المنهي عنه وأن المجتمع الإسلامي مأمور بأن لا يترتب عليه أي أثر وأن انتشار هذا الظن بناء على تلك القرينة الفاسدة عرف اجتماعي فاسد لا ينبغي للمصلحين أن يستسلموا له.

هذا هو الوضع الشرعي لهذه المسألة، فإذا ترتب عليه التشابه في النظرة إلى الفتاة ذات الغشاء الممزق مع المجتمعات الكافرة لم يكن ذلك مبررا لهجران ذلك الوضع الذي ارتضاه الشارع الحكيم لمجتمع المؤمنين، واتباع عادات تخالفه أو تصادره؛ إذ من المعلوم أن النتيجة الواحدة قد يكون لها أكثر من سبب وسبب تلك النظرة في تلك المجتمعات غير سببها في مجتمع الإسلام، ولا يمت إليه بصلة؛ فإن سببها عندهم ليس لعدم دلالتها على الزنى، ولكن لأن الزنى على فرض كونه سببا للتمزق مقبول عندهم، وقد يكون مستحسنا في بعض مجتمعاتهم.

وأما الفوضى الجنسية وانتشار الزنى في المجتمعات الغربية، فليس سببه تلك النظرة إلى تمزق غشاء البكارة، وإنما سببه يرجع إلى عقائد وفلسفات وأخلاق وأفكار وأحكام تناقض عقائد الإسلام وأخلاقه ومبادئه وأحكامه. والوقاية من ذلك الداء والحيلولة دون استيراده سيبلها التزام الإسلام في عقائده وتوجيهاته وتشريعاته، وليس سبيلها ابتكار عادات جديدة.

الشبهة الثانية:

وقد يورد على ما توصلنا إليه من الأحكام لرتق غشاء البكارة أن الطب لم يكتشف بعد أية فائدة صحية له، يمكن أن تعتبر حكمة لخلقه في جسد الفتاة. ولم يبق من حكمه إلا أن يقال بأن الله قد خلق هذا الغشاء لتعرف بوجوده عفة الفتاة، وبغيابه أو تمزقه عدم عفتها. وأنت بما قررت تكون قد أنكرت شطر هذه الحكمة.

الجواب

والجواب ـ حسب ما يغلب على ظني ـ أن الله عز وجل قد خلق هذا الغشاء في الفتاة ليكون شاهدا لها لا عليها، بمعنى أنه سبحانه قد خلقه ليدل وجوده على براءتها من إتيان الفاحشة الكبرى في مواجهة من يتهمها بها، وإن كانوا شهودا أربعة عدولا أو أكثر، وليس ليدل تمزقه أو عدم وجوده على وقوعها في الفاحشة.

وليس هذا من قبيل الحدس والتخمين، ولكنه يستند إلى أساس فقهي وهو أننا وجدنا الفقهاء متفقين ـ كما تقدم ـ على أن تمزق البكارة لا يعتبر بمجرده دليلا على الزنى، ثم نظرنا فوجدنا أن جمهور الفقهاء يرون عدم وجوب الحد على فتاة غشاء بكارتها سليم وإن شهد عليها شهود أربعة أو أكثر. ورجحوا دلالة هذه القرينة على دلالة البينة الشرعية.

ومن جهة أخرى فإن عدم اكتشاف فائدة صحية لغشاء البكارة لا يدل على عدم وجود هذه الفائدة في واقع الأمر، وقد يأتي يوم يدرك فيه بعض المختصين لهذا الغشاء فائدة عضوية أو نفسية.

على أن عجزنا عن إدراك حكمة خلق هذا الغشاء لا يبرر تغيير الحكم الشرعي، واعتبار تمزقه قرينة على فعل الفاحشة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015