يقينا). ويقول في معنى قوله تعالى (ولا تجسسوا) " هو البحث عما خفي حتى يظهر "، ويقول القرطبي (معنى: الآية: خذوا ما ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين، أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حيث يطلع عليه بعد أن ستره الله، وفي كتاب أبي داود عن معاوية قال: سمعت رسول الله r يقول: " إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم).

ويقول الرسول r " ثلاث لا زمات لأمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن "، فقال رجل: وما يذهبهن يا رسول ممن هن فيه؟ قال r " إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض ". فانظر إلى قوله r " وإذا ظننت فلا تحقق "؛ فإنه يقتضي من المؤمن أن يكف عن مجاراة ظنه، وأن لا يجتهد في البحث والتحقيق ليكتشف عورة المظنون فيه.

وبناء على هذا ينبغي للطبيب إذا جاءته فتاة تطلب رتق بكارتها المتمزقة، أن يحمل أمرها على الصلاح، وأن يفترض أن ما وقعت فيه كان بسب ليس فيه معصية الله عز وجل، ولا يحقق في الموضوع بأكثر مما ذكرنا من الأمارات الظاهرة. ولا يجوز أن يبني موقفه على سوء الظن بها، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه (لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا وأنت تجد لها في الخير محملا).

ولتمزق البكارة أسباب وأسباب،واحد منها فقط فيه معصية لله عز وجل، والأسباب الأخرى ليس فيها عصيان، فباب الظن الحسن في هذه المسألة أوسع بكثير من باب الظن السيء، ومحامل الخير فيها بكثير من محامل الشر، والنهي الوارد في آية سورة الحجرات عن مجرد سوء الظن، وإن لم يرتب عليه الظان أي حكم، فما بالك بالظن السيء الذي يرتب عليه صاحبه أحكاما وتصرفات؟! لا شك في أنه أولى بالتحريم.

وقد يقول قائل: إن الله تعالى لم يذم الظن جميعه، وإنما أورد الذم في بعضه، كذلك فإن كثيرا من الأحكام العملية مبناها في الشرع على غلبة الظن، ولم ينكر العمل بالظن فيها إلا جماعة من المبتدعة، أنكروا تعبد الله بالظن وجواز العمل به، وما دامت الفتاة قد قام فيها ما يورث ظنا في أنها فعلت معصية، وهو تمزق بكارتها، فالظن فيها ليس داخلا في النهي الوارد في الآية الكريمة.

لا شك في أن هذا القائل محق في أول كلامه، ولكنه ليس كذلك في آخره، وبيانه: أن الظن نوعان: نوع مبني على وجه من وجوه الأدلة الشرعية، فهذا الذي لا يدخل في النهي الوارد في الآية الكريمة، ولا يذم صاحبه،وليس عليه من الوزر شيء. ونوع لا يقوم على دليل معترف به في الشرع، فهذا هو الذي وقه عليه النهي.

يقول القرطبي في توضيح هذا المعنى بعد أن أورد الآية وحديث الرسول r " إياكم والظن …" (قال علماؤنا: فالظن هنا وفي الآية هو التهمة،ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله تعالى: (ولا تجسسوا)؛ وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء ويريد أن يتجسس خبر ذلك، ويبحث عنه ويتبصر ويستمع لتحقق ما وقع له من التهمة، فنهى النبي r عن ذلك، وإن شئت قلت: والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد به والخيانة محرم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث .. وللظن حالتان: حالة تعرف وتقوى بوجه من وجوه الأدلة فيجوز الحكم بها، وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن.

والثانية – أن يقع في النفس شيء من غير دلالة، فلا يكون ذلك أولى من ضده، فهذا هو الشك، فلا يجوز الحكم به .. ).

ويقول أيضا في تفسير قول الله عز وجل (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا .. ): (قالت: ولأجل هذا قال العلماء: إن الآية أصل في أن درجة الإيمان التي حازها الإنسان ومنزلة الصلاح التي حلها المؤمن ولبسة العفاف التي يستتر بها المسلم لا يزيلها عنه خبر محتمل وإن شاع إذا كان أصله فاسدا أو مجهولا).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015