2 – إذا كان سبب التمزق وطئا في عقد نكاح، كان إجراء الرتق حراما فيحرم إجراؤه لمطلقة أو أرملة؛ لأن هذا الفعل لا مصلحة فيه. ومن باب أولى يحرم إجراؤه لمتزوجة؛ لأنه لعب ولهو؛ ولا يجوز للطبيب النظر إلى عورة المرأة دون ضرورة أو حاجة.
3 – إذا كان سبب التمزق زنى اشتهر بين الناس، سواء أكان اشتهاره نتيجة صدور حكم قضائي على الفتاة بالزنى، أم كان نتيجة تكرار الزنى من الفتاة، وإعلانها لذلك واشتهارها بالبغاء، ففي هذه الحالة يحرم على الطبيب رتق غشاء البكارة؛ لعدم وجود المصلحة، ولعدم خلو فعله هذا من المفسدة.
4 – إذا كان سبب التمزق زنى لم يشتهر بين الناس بالمعنى السابق، كان الطبيب مخيرا في إجراء عملية الرتق أو عدم إجرائها وإجراؤها أولى إذا كان ذلك بإمكانه؛ لأن فعله هذا من باب الستر كما تقدم، والستر على العصاة تتناوبه أحكام عدة:
فقد يكون حراما إذا ترتب عليه تضييع حق من حقوق العباد، وهذا الفعل ليس فيه تضييع لحق أحد كما قد يتوهم؛ لما سبق تفصيله.
وقد يكون واجبا إذا ترتب على الإظهار وقوع مفسدة أو معصية، كما لو كان الشخص وحيدا عندما رأى حادثة الزنى، فإن بلغ ولم يقر المتهم كان ذلك منه قذفا،وعدم قيام الطبيب بالرتق لا يوقعه في القذف.
ويكون الستر مندوبا إذا تبين أن الذي وقع في المعصية قد ندم وتاب ولم يكررها.
فإذا جهل حال العاصي من حيث التوبة وعدمها فمقتضى ما تقدم أن يكون الستر عليه جائزا، إلا إذا قلنا بحمل أمر الناس على الصلاح في مجتمع الإسلام وأن الأصل فيهم عدم الإصرار على الفسق، فيمكن القول عندئذ باستحبابه.
المبحث الثالث
موقف الطبيب من الحالات التي تعرض عليه
ما تقدم ذكره من المصالح والمفاسد التي يمكن أن تترتب على عملية الرتق لغشاء البكارة، وتفاوتها حسب الأسباب التي أدت إلى تمزقها، إنما هو تحليل لما يمكن أن يكون في الحقيقة وواقع الأمر.
فإذا تمكن الطبيب من معرفة السبب الذي أدى إلى التمزق كان عليه التزام نتائج ذلك التحليل، من حيث بناء الأحكام على المصلحة الراجحة.
غير أن الطبيب لا يتمكن ـ في الأعم الأغلب ـ من معرفة سبب التمزق، لا على وجه اليقين، ولا على وجه الظن الغالب، وبخاصة إذا كان التمزق قديما، والجرح مندملا، فماذا يصنع؟
وقبل الإجابة عن هذا التساؤل لابد من معرفة جواب تساؤل آخر هو: أن الطبيب هل يجب عليه ـ شرعا ـ أن يبحث عن سبب التمزق، ويطلب الأدلة ويستقصي الأحوال لمعرفة ذلك؟.
إن مما لا شك فيه أن الطبيب ليس بقاض يحكم بين المتخاصمين، وهو لا يملك من الوسائل والسلطات ما يملكه القاضي من طلب الشهود وتزكيتهم واستقصاء الأحوال والقرائن. وبناء عليه لا يكلف بما لا يملك وسائله؛ فإن المسؤولية تكون بقدر السلطات الممنوحة،ولكن لما كان العمل المطلوب منه إنجازه عندما تقدم عليه فتاة تريد إصلاح غشاء البكارة المتمزق يختلف حكمه باختلاف أسباب التمزق،كان عليه أن يأخذ بعين الاعتبار ما يتحصل لديه من أسباب العلم أو تغليب الظن من غير طلب أو بطلب سهل لا يعطله عن عمله، كأن تأتي الفتاة معترفة بالزنى أو تعترف بناء على سؤاله لها، أو كأن يرى واقعة الزنى بنفسه، أو يكون قد سبق إلى علمه بإحدى الوسائل المعتبرة شرعا أن الفتاة محكوم عليها بالوقوع في الفاحشة، أو أن أمرها معروض على القضاء؛ أو أنها كانت مشتهرة بين الناس بالبغاء. كذلك يسألها إن كانت مطلقة أو أرملة أو متزوجة. وفي جميع الأحوال ينبغي أن يأخذ بقولها؛ لأن الأصل براءة ذمتها مما يدينها. فإن علم حالها بإحدى هذه الوسائل التزم بما ذكرنا من الأحكام.
فإذا غم عليه السبب، ولم ينكشف له بما يتيسر من تلك الوسائل، لم يكن واجبا عليه أن يطلبه بغيرها، وإن شك أن التمزق كان نتيجة زنى، فلا ينبغي له أن يحقق في الأمر، وإنما يكتفي بالظاهر؛ لأن الشك الذي لا يقوم على حجة شرعية من سوء الظن الذي نهى الله عنه، وأمرنا باجتنابه؛ حيث قال عز وجل " (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا .. )، يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية (الظن هو الهمة والتخون للأهل والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثما)، ويقول الماوردي (يعني: ظن السوء بالمسلم توهما من غير أن يعلمه
¥