الوجه الرابع: روى الإمام مالك في الموطأ عن أبي الزبير المكي أن رجلا خطب إلى رجل أخته، فذكر أنها قد كانت أحدثت ـ أي زنت ـ فبلغ ذلك عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، فضربه أو كاد يضربه، ثم قال:مالك وللخبر؟

وعن طارق بن شهاب أن رجلا خطب إلى رجل ابنة له، وكانت قد أحدثت، فجاء إلى عمر، فذكر ذلك له،فقال عمر: ما رأيت فيها؟ قال: ما رأيت إلا خيرا، قال: فزوجها ولا تخبر. وفي رواية أخرى أنه فجرت جارية فأقيم عليها الحد، ثم تابت وحسنت توبتها وحالتها، فكانت تخطب إلى عمها، فيكره أن يزوجها حتى يخبر ما كان من أمرها،وجعل يكره أن يفشي ذلك عليها، فذكر أمرها لعمر، فقال له: زوجها كما تزوجوا صالحي فتياتكم.

وعن الشعبي قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين إني وأدت ابنة لي في الجاهلية، فأدركتها قبل أن تموت، فاستخرجتها، ثم إنها أدركت الإسلام معنا، فحسن إسلامها، وإنها أصابت حدا من حدود الإسلام، فلم نفجأها إلا وقد أخذت السكين تذبح نفسها، فاستنقذتها، وقد جرحت نفسها، فداويتها حتى برأ كلمها، فأقبلت إقبالا حسنا وإنها خطبت إلى، أفأذكر ما كان منها؟ فقال عمر: هاه، لئن فعلت لأعاقبنك عقوبة يتحدث بها أهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة.

إن هذه الأخبار عن عمر رضي الله عنه تدل على جواز النكاح من الزانية وإن كان الزوج عفيفا، وعلى أن زنى المرأة لا يعتبر من العيوب التي يجب على الولي أن يخبر بها إذا تبعته توبة. ولو أن عمر كان يرى أن الزنى عيب في الفتاة يعطي زوجها الحق في ردها لما اتخذ ذلك الموقف من الأولياء، ولشجعهم على تصرفهم بالإخبار عما علموا؛ لما في إخفائه من تضييع الحقوق على الأزواج. يقول الباجي في شرحه للخبر السابق الذي رواه مالك في الموطأ (إخبار الرجل عن أخته إذا خطبت إليه أنها أحدثت، يريد أنها قد أصابها ما يوجب عليها حد الزنى، وروى نحوه في المدينة عن عيسى بن دينار. فأنكر ذلك عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه،ولعلها كانت أقلعت وتابت،ومن عاد إلى مثل هذه الحال لا يحل ذكره بسوء؛ فإن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده،ويعفوا عن السيئات، ولا يلزم الولي أن يخبر من حال وليته إلا بما يلزم في ردها، وهي العيوب الأربعة:

الجنون والجذام البرص وداء الفرج.

ثالثا: وأما مفسدة كشف العورة والنظر إليها، فهذه موجودة في تصرف الطبيب بالرتق لهذا الصنف أيضا. ولكن يمكن أن يقال فيها ما قيل في الصنف الأول، من أن الحاجة إلى دفع مفاسد التمزق تبرر تحمل هذه المفسدة.

المطلب الثالث

الصنف الثالث

وهو زوال البكارة بسبب وطء في عقد نكاح، سواء أكانت المرأة مطلقة أو أرملة.

فمن زالت بكارتها بهذا السبب، لم يكن لها آية مصلحة تبتغيها بالرتق؛ لأن زوال البكارة بالنسبة لهذا الصنف من النساء لا يترتب عليه أية مفسدة، لا في العرف ولا في الشرع، والرتق إنما يراد لدفع مفاسد محتملة تترتب على التمزق، وقد تقدم ذكرها.

وإذا كان الرتق في حق هذا الصنف من النساء خاليا من أية مصلحة، فإنه لا يخلوا عن بعض المفاسد المحرمة؛ إذ فيه على الأقل كشف عورة المرأة دون مبرر شرعي من ضرورة أو حاجة، فأغلب الظن أنه حرام، ولا يصح.

خلاصة أحكام الرتق بالنظر إلى أسباب التمزق

مما تقدم من المقابلات السابقة بين ما يحققه الرتق من مصالح وما يؤدي إليه من مفاسد يتبين ما يأتي: ـ

1 – إذا كان سبب التمزق حادثة أو فعلا لا يعتبر في الشرع معصية، وليس وطئا في عقد نكاح، ينظر: -

فإن غلب على الظن أن الفتاة ستلاقي عنتا وظلما بسبب الأعراف والتقاليد السائدة كان إجراء الرتق واجبا؛ لما فيه من دفع مفاسد يغلب على الظن وقوعها؛ فإن المفسدة المتوقعة بأغلبية الظن تعتبر في حكم الناجزة المحققة، فإذا غلب وقوع المفسدة ولو في المآل جعلت كالمفسدة الواقعة.

وإن لم يغلب ذلك على الظن كان إصلاح الغشاء مندوبا، ولكنه غير واجب، لما فيه من دفع مفاسد محتملة. والذي يحدد ما تقدم طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه الفتاة وأعرافه وتقاليده.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015