الرابع: أن هذا كان في نسوة بغايا، كان الرجل يتزوج إحداهن على أن تنفق عليه مما كسبته من الزنى، واحتج أهل هذا القول بما ورد أن الآية نزلت في مرثد بن أبي مرثد، كان يحمل الأسارى بمكة، وكان فيها بغي يقال لها " عناق ". وكانت صديقته، فجاء إلى النبي r وسأله أن ينكحها، فنزلت الآية، قال الخطابي: هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة، فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ. وقيل: إنها مخصوصة في رجل من المسلمين أيضا استأذن رسول الله r في نكاح امرأة يقال لها " أم مهزول " وكانت من بغايا الزانيات، وشرط أن تنفق عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: إنها نزلت في أهل الصفة، وكانوا قوما من المهاجرين، ولم يكن لهم في المدينة مساكن ولا عشائر فنزلوا في صفة المسجد،وكانوا أربعمائة رجل يلتمسون الرزق بالنهار، ويأوون إلى صفة المسجد بالليل، وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور، مخاصيب بالكسوة والطعام، فهم أهل الصفة أن يتزوجوهن، فيأووا إلى مساكنهن، ويأكلوا من طعامهن وكسوتهن، فنزلت هذه الآية صيانة لهم عن ذلك.
الخامس: أن الآية محكمة غير منسوخة. وعند أصحاب هذا القول: من زنى فسد النكاح بينه وبين زوجته، وإذا زنت الزوجة فسد النكاح بينها وبين زوجها. وقال قوم من هؤلاء: لا ينفسخ النكاح بذلك، ولكن يؤمر الرجل بطلاقها إذا زنت، ولو أمسكها أثم. ولا يجوز التزوج بالزانية، ولا من الزاني إذا لم يتوبا، فإن ظهرت التوبة منهما جاز النكاح.
فيتيين من هذه النقول أن معظم الفقهاء لا يرون تحريم الزواج من الزانية، وأن نكاحها جائز،ولم يشترطوا لجوازه شروطا زائدة على الزواج بغيرها. وذهب الحنابلة إلى أنه يحل النكاح من الزانية لمن علم زناها إذا تحقق شرطان:
الأول: انقضاء عدتها لتعلم براءة رحمها.
الثاني: أن تتوب من الزنى بالاستغفار والندم والإقلاع عن الذنب.
الوجه الثالث: أن حث الشارع على الستر يشعر بأنه قد رجح مصالحه على تلك المفسدة على فرض احتمال وقوعها؛ لأن من يستر على الرجل الزاني أو علي المرأة الزانية بكرا كانت أو ثيبا يحول دون تطبيق ذلك الحكم الشرعي الذي أخذه بعض العلماء من الآية السابقة؛ إذ بستره عليهم يحول دون معرفتهم، ويعرض بذلك بعض الناس العفيفين للارتباط بهم برباط الزوجية. ومع قيام هذا الاحتمال ندب الشارع إلى الستر على العصاة، وبخاصة في باب العرض وتأويل ذلك لا يعدوا أحد معنيين.
الأول: أن الشارع قد رجح مصالح الستر على مصلحة ارتباط الزناة بالعفيفين كما ذكرنا.
الثاني: أن الشارع لم يحرم الارتباط بالزناة، وأن الآية التي يفيد ظاهرها ذلك التحريم إما أن تكون منسوخة، وأما أن تكون مؤولة، كما قال جمهور العلماء فيما سلف.
وقد يقول قائل: إن قيام الطبيب برتق غشاء البكارة فعل زائد عن مجرد الستر؛ لأن الستر يتحقق بأن يحجم الطبيب الذي تعرض عليه الفتاة التي تمزقت بكارتها بسبب الزنى عن إفشاء سرها والتبليع عنها، ولا يقتضي أن يصلح لها ما فسد من بكارتها.
والجواب عن هذا أن الستر الذي حث عليه الشارع جاء عاما شاملا للموقف السلبي الذي يتخذه الإنسان، وللموقف الإيجابي الذي قد يكون أكثر فاعلية. والستر بالموقف الإيجابي الذي يتخذه الطبيب تجاه الفتاة هو الذي يحقق ما ذكر من المصالح في أول هذا البحث.
وستره لها بالموقف السلبي لا يحقق شيئا منها؛ لأنه ستر مؤقت إلى حين، ثم ينتهي مفعوله بالزواج من الفتاة، واكتشاف الزوج لحالها.
على أن الموقف الإيجابي الذي يتخذه الطبيب بعملية الرتق تجاه فتاة زانية لا يزيد من حيث الآثار العاجلة والآجلة عن الموقف السلبي الذي يتخذه شاهد زنى بإحجامه عن التبليغ عن رجل زان أو امرأة زانية متزوجة أو مطلقة أو أرملة؛ ذلك أن هذا الأخير بستره على هؤلاء إنما يستر عن معصية لم يترك حدوثه أية علامة فيمن ارتكبوها مما يجعل ستره أبعد أثرا من ستر فتاة بكر وقعت في الزنى؛ لأن المعصية تركت في هذه الفتاة علامة لا يمحوها مجرد الستر بالموقف السلبي، ولا بد لمحوها من فعل إيجابي يزيل ما أحدثه الزنى من أثر.
¥