وقد يقول قائل: إن الله عز وجل قد وجهنا في كتابه الكريم إلى وجوب الحيلولة دون ارتباط العفيفين والعفيفات بالزناة والمشركين؛ فقال تبارك وتعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين)، يقول ابن قيم الجوزية: (فقد صرح الله سبحانه وتعالى بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من نكح الزانية فهو إما زان أو مشرك؛ فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أولا، فإن لم يلتزمه ولم يعتقده فهو مشرك، وإن اعتقد وجوبه وخالفه فهو زان، ثم صرح بتحريمه فقال: (وحرم ذلك على المؤمنين). ولا يخفى أن دعوى النسخ للآية بقوله تعالى (وأنكحوا الأيامي منكم) من أضعف ما يقال، وهو سبحانه إنما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفة فقال: (فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان)؛ فإنما نكاحها في هذه الحالة دون غيرها .. وأيضا فإنه سبحانه قال: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات)، والخبيثات الزواني، وهذا يقتضي أن من تزوج بهن فهو خبيث مثلهن، وأيضا فمن أقبح القبائح أن يكون الرجل زوج بغي، وقبح هذا مستقر في فطر الخلق، وهو عندهم غاية المسبة وأيضا فإن البغي لا يؤمن أن تفسد على الرجل فراشه، وتعلق عليه أولادا من غيره، والتحريم يثبت بدون هذا .. ).
وقيام الطبيب برتق غشاء بكارة لامرأة زانية قد يؤدي إلى الوقوع فيما يتنافى مع هذا التوجيه الرباني الذي فسره ابن القيم فيما سبق، وهو ارتباط رجل عفيف بامرأة زانية، وبقاؤه معها؛ لما يجد من عذريتها. ولو أنه امتنع عن ذلك لكان بامتناعه أقرب إلى التزام هذا التوجيه القرآني؛ لبقاء احتمال مفارقة الزوج لها إذا اكتشف عدم عذريتها. وبهذه المفارقة يكون النص القرآني قد وضع موضع التنفيذ.
والجواب عن هذا القول من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن معظم الفقهاء لا يرون تطبيق هذا النص على امرأة زانية بالفعل ولكن زناها لم يثبت بدليل شرعي معتبر من شهادة أو اعتراف أو حبل، وأن هذه المرأة لا يجوز أن تنعت بالزنى، ومن نعتها بذلك عد قاذفا واستحق الجلد ورد شهادته. ولو أن ثلاثة شهدوا على امرأة بالزنى وكانوا أعدل الناس، ولم يشهد عليها رابع لكان فرضا على الناس بما فيهم الشهود أن يعاملوها في الدنيا باعتبارها عفيفة، وأمرها إلى الله عز وجل. وتمزق غشاء البكارة لا يساوي في دلالته على الزنى عشر معشار رؤية أولئك العدول.
وبناء على ذلك لا يوجد أي وجه لتطبيق النص عليها في الحياة الدنيا.
الوجه الثاني: أن العلماء اختلفوا في تأويل الآية السابقة اختلافا كثيرا، وأكثرهم لم يحملها على المتبادر منها كما حملها ابن القيم وبعض العلماء؛ فقد نقل الشوكاني والقرطبي للعلماء فيها خمسة أقوال:
أحدهما: أنها منسوخة؛ فقد روى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) نسخت هذه الآية التي بعدها (وأنكحوا الأيامى منكم) حيث دخلت الزانية في أيامى المسلمين، قال أبو جعل النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء. وأهل الفتيا يقولون: إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها. وهو قول ابن عمر وسالم وجابر بن زيد وعطاء وطاوس ومالك بن أنس وأبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي: القول فيها كما قال سعيد بن المسيب، إن شاء الله هي منسوخة.
الثاني: أن النكاح هنا الوطء، والمراد أن الزاني لا يطاوعه على فعله ويشاركه في مراده إلا زانية مثله أو مشركة لا تحرم الزنى.
الثالث: أن الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة أو مشركة، وكذلك الزانية:
¥