في هذه الصورة، حيث لا يكون زنى الفتاة معروفا بين الناس؛ ولم يصدر عليها به حكم قضائي، فإن معظم ما ذكر في أول هذا البحث من المصالح التي تترتب على رتق البكارة مرجو تحققه؛ وذلك أن الستر الذي حث عليه الإسلامي محله عندما يكون العصاة مستترين غير مجاهرين، أمثال هذه الفتاة. فإذا وضع في موضعه ترتبت عليه تلك المصالح، وكان مظنة لدرء مفاسد كثيرة عن الفتاة وعن المجتمع. كما أنه مظنة لتشجيعها على التوبة والإحجام عن العود إلى الفاحشة، ومظنة لإشاعة حسن الظن بين المؤمنين، والوقاية من سوء الظن بهم، والحيلولة دون ردود الفعل الاجتماعية التي أشير إليها في المبحث الأول، وتحقيق العدالة أمام قانون وسائل الإثبات الشرعي، بين أصناف النساء من جهة وبينهن وبين الرجال من جهة أخرى، وغير ذلك.
ولكن ما مدى تحقق ما ذكر من مفاسد الرتق بالنسبة لهذا الصنف؟
أولا: قد يظن لأول وهلة أن الرتق في هذه الصورة سيؤدي إلى غش من سيتزوج الفتاة وخداعه؛ لأن الاطمئنان إلى براءة الزوجة من الفاحشة أمر مقصود للزوج، وطمس ما يدل على عكس هذه البراءة يفوت عليه ذلك المقصود،ويخفي عنه حقيقة عروسه.
وقد يبدو هذا الأمر ظاهرا، غير أن قدرا من النظر يكشف عدم صحة هذا الظاهر في الواقع ويبين أن فعل الطبيب بالنسبة لهذه الفتاة الزانية برتق بكارتها ليس فيه أي خداع من الناحية الشرعية لمن سيتزوجها في المستقبل.
نعم لا جدال في أن طمس ما يدل على عيب من العيوب في شيء ما يعتبر تغريرا لطالب هذا الشيء، إذا كان ذلك الطمس سببا لخفاء العيب عل ذلك الطالب. ولكن حقيقة عمل الطبيب ليس فيه طمس لما يدل على زنى الفتاة؛ إذ المقصود بالدليل المطموس هنا،والذي يكون في إخفائه تغرير، الدليل الشرعي وليس مجرد القرائن والأدلة التي تعارف عليها الناس، بالرغم من إهدار الشرع لها وعدم اعتبارها.
والطبيب عندما يعيد غشاء البكارة إلى ما كان عليه لا يطمس دليلا اعتبره الشارع مفيدا لوقوع الزنى؛ لأن غشاء البكارة لا يدل عدم وجوده على زنى المرأة بإجماع الفقهاء كما تقدم، ولو أن الطبيب ترك الفتاة، ثم تزوجت وليس لها بكارة، ما كان للزوج شرعا أن يتهمها بالزنى، ولا أن يردها. بل إن هذا لا ينبغي أن يعتبر مبررا للتطليق ـ بينه وبين الله تعالى؛ لأن مبناه على ظن سيء، وليس على غلبة ظن؛ فإن هذه لا تكون إلا ثمرة لقريتة شرعية، وليس لمجرد قرينة عرفية لم يعترف بها الشرع.
فالطبيب بالرتق لم يغرر بالزوج؛ لأنه لم يحجب عنه دليلا أو قرينة يعتبرها الشرع دالة على الزنى، ومفيدة للعلم أو غلبة الظن بارتكاب الفاحشة.
وبهذا النظر يتبين أن مفسدة التغرير في فعل الطبيب برتق البكارة مفسدة موهومة ولا تصلح أن يبنى عليها حكم بالتحريم.
ثانيا: وأما المفسدة الأخرى،وهي احتمال تشجيع الفاحشة، بقيام الأطباء بعمليات الرتق، فهي مفسدة موهومة أيضا؛ لأن هذا الاحتمال مبناه على إبطال هذا التصرف لفاعلية الأثر الزجري لردود الفعل الاجتماعية التي كونتها العادات والتقاليد عند اكتشاف فتاة ذهبت بكارتها دون معرفة الأسباب. وقد تقدم أن هذه الردود ليس لها مستند شرعي بالنسبة للفتاة المجهولة الحال، والتي لم يثبت عليها فعل الفاحشة بدليل معتبر شرعا، ولم تكن بغيا مشهورة، وأنها عقوبات زائدة على العقوبات المشروعة،ومبنية على قرائن غير شرعية. وكونها مفيدة في بعض الحالات لا يبررها؛ لأن الأثر الزجري للزيادة على العقوبات الشرعية أو على وسائل إثبات موجبات هذه العقوبات لا يبرر هذه الزيادة؛ فإن الزيادة على الحدود الشرعية مثلا يعطي أثرا زجريا أقوى، ومع ذلك فإنها محرمة بإجماع الفقهاء وأن التساهل في إثبات موجبات هذه الحدود قد يكون له أثر زجري أبلغ من التشدد في إثباتها، ومع ذلك اختار الشارع الطريق الثاني "، وأهمل الأول،ودرأ الحدود بالشبهات.
ولو كانت العادات والتقاليد منطبقة تمام الانطباق على الوضع الذي يتطلبه الشرع عند اكتشاف فتاة تمزقت بكارتها، بحيث لا تكون ردود فعل لهذا الاكتشاف، لما كان احتمال تشجيع الفاحشة واردا على قيام الأطباء بعمليات الرتق.
¥