بعد ذلك التحليل لما يترتب على قيام الطبيب بإصلاح بكارة تمزقت بغير معصية من مصالح ومفاسد، يتبين أن كفة المصالح التي يحققها ذلك التصرف راجحة رجحانا كبيرا وأمام هذا التحليل. يغلب على الظن إمكان القول بجواز ذلك، واستحباب الستر على الفتاة برتق بكارتها. ولولا أن ما ذكر من المفاسد المترتبة على الإحجام محتملة وليست مؤكدة الوقوع لكان القول بالوجوب ممكنا؛ لأن دفع المفسدة التي يغلب على الظن وقوعها، إذا تعين على أحد كان واجبا شرعيا عليه.

هذا ولا يكفي في الستر على هذا الصنف من الفتيات أن يقف الطبيب من حالتهن موقفا سلبيا بأن يحفظ سرهن ولا يبلغ عنهن؛ فإن ذلك مجرد تأجيل لما سيلتصق بهن من الفضيحة، وما سيحيق بهن من الآثار السيئة.

وكذلك لا يكفي في الستر ودفع الأذى عنهن أن يحرز لهن شهادة طبية بسبب التمزق دون إصلاح الغشاء؛ لعدم فاعلية هذا الإجراء في الواقع، وعدم كفايته في إقناع زوج المستقبل ببراءة زوجته، وعدم إقناع المتسامعين بذلك من الناس، فإن شيطان الشك في قضايا العرض أقوى من أن يدفع بمثل هذا.

وبذلك يتعين على الطبيب لدفع الشر والأذى ـ إذا كان يغلب وقوعه في مجتمع من المجتمعات ـ أن يقوم بإصلاح غشاء البكارة في هذه الحالات إذا كان ذلك بإمكانه، ويرجى له بذلك أن يكون مأجورا غير مأزور إن شاء الله تعالى، ولا يقل أجره في هذا عن أجره فيما يقوم من علاج للمرضى العاديين.

المطلب الثاني

الصنف الثاني

قد يكون سبب تمزق البكارة زنى وقعت فيه الفتاة باختيارها، وهي بالغة عاقلة، فما مدى تحقق ما ذكر من المفاسد والمصالح على إصلاح الطبيب لهذا التمزق؟

أغلب الظن أن الإجابة على هذا السؤال تقتضي التمييز بين صورتين:

الأولى: أن تكون الفتاة قد ظهر زناها وعرف بين الناس كالبغي التي اشتهرت بالفاحشة، وكالتي صدر عليها حكم قضائي الزنى.

الثانية: أن لا تكون كذلك، وإنما زنت مرة واحدة، ولم يفتضح أمرها بين الناس، ولا عرض على القضاء. ونبحث هاتين الصورتين في الفرعين الآتيين:

الفرع الأول

إصلاح بكارة تمزقت بسبب زنى ظهر أمره

في هذه الصورة لا يترتب شيء من المصالح على رتق بكارة أمثال تلك المرأة؛ لأن ما تقدم ذكره من المصالح ودفع المفاسد المترتب على الرتق مبناه في جملته على استتار أمر الفتاة وعدم افتضاحه، فإذ كان أمرها مفتضحا لم يكن الستر عليها مجديا بإصلاح بكارتها. ولا يكون لهذا الإصلاح أي أثر في إشاعة حسن الظن بين الناس؛ لأن دوافع سوء الظن قد وجدت بشيوع أمر الفاحشة، وكذلك لا يكون لهذا الرتق أي أثر في منع ردود الفعل الاجتماعية؛ لوجود سبب آخر لإثارة هذه الردود / والطبيب لا يقدر على إخفاء هذا السبب.

وهكذا فإن رتق غشاء البكارة لهذا الصنف من النساء يخلو من أية مصلحة، في الوقت الذي لا يخلو من المفاسد، والتي أقلها مفسدة كشف العورة بدون مبرر يقتضي ذلك.

وبهذا النظر يتبين أن مفاسد الرتق لهذا الصنف من النساء هي الراجحة، والقول بتحريمه أقرب إلى روح الشرع من القول بجوازه.

وقد يتأيد هذا بما قرره العلماء من أن العصاة الذين يندب الستر في حقهم هم أولئك الذين لم تتكرر منهم المعصية، ولم تعرف عنهم، وأما الذين تكررت معصيتهم فالأولى الإخبار عنهم وعدم سترهم.

كما يتأيد بما قاله بعض العلماء من أن (من كان معروفا بالزنى أو بغيره من الفسوق، معلنا به، فتزوج إلى أهل بيت ستر وغرهم من نفسه فلهم الخيار في البقاء معه أو فراقه؛ وذلك كعيب من العيوب)؛ واحتج بقول الرسول r " لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله ". وإنما ذكر المجلود لاشتهاره بالفسق، وهو الذي يجب أن يفرق بينه وبين غيره، فأما من لم يشتهر بالفسق فلا.

هذا ويلتحق بهذا الصنف من كان أمرها معروضا على القضاء، وإن لم يصدر بعد حكم قضائي يدينها بالزنى؟ لأن وجود البكارة غير ممزقة يعتبر شبهة تدرأ العقاب عن المرأة عند جمهور الفقهاء، وإن شهد عليها أربعة رجال عدول.

ففي هذه الحالة يمكن أن يتخذ الرتق وسيلة لتكذيب الشهود أو التشكيك في شهادتهم بغير حق، فلا يجوز.

الفرع الثاني

إصلاح بكارة تمزقت بسبب زنى لم يظهر أمره

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015