وهذه الفتاة التي زالت بكارتها بغير وطء في نكاح يصدق عليها أنها بكر،وبالتالي لا يكون الطبيب بالرتق قد فوت حقا للزوج، وإن اشترط البكارة عند الزواج.
نعم ذهب بعض الفقهاء إلى أن للزوج فسخ العقد إذا اشترط أن تكون عذراء، وهو أخص من شرط البكارة؛ إذ يعني على التحديد أن يكون غشاء البكارة موجودا، قالوا: لأن وصف العذرية وصف مرغوب فيه عند الناس، فإذا اشترطه أخذ بالاعتبار وترتب على تخلفه ثبوت الخيار للزوج في الرد وعدمه، مثل بقية الأوصاف التي يرغب فيها الناس، فإن كانت محل اشتراط، ولم يتحقق ثبت الخيار، كما لو اشترط أن تكون بيضاء فبانت سوداء، أو اشترط أن تكون كبيرة أو صغيرة، أو غير ضعيفة السمع أو البصر، فإذا هي خلاف ما شرط.
وهذا قول بعض الفقهاء، ورأى آخرون عدم ثبوت الخيار للزوج مهما اشترط، إذا لم يتبين فيها عيب من العيوب المحددة التي تستوجب الخيار من غير اشتراط.
وهذه الحالة المحددة التي أعطى فيها بعض الفقهاء للزوج حق الرد لا تنقض ما ذكر من أن رتق الطبيب لبكارة تمزقت بسبب ليس فيه معصية لا يضيع حقا لأحد، وليس فيه أي نوع من الغش؛ لأن فعله هذا ليس فيه تدليس على الزوج؛ حيث لم يفوت عليه الوصف الذي اشترطه، وإنما كان سببا في تحقيق هذا الوصف في الوقت الذي لم يتستر برتقه البكارة على عمل مشين أو معصية كانت الفتاة قد ارتكبتها؛ وهو في ذلك كالطبيب الذي تأتيه فتاة فاقدة السمع أو البصر، فيجري لها عملية تعيد إليها سمعها أو بصرها، ثم يتقدم لخطبتها شخص، ويشترط أن تكون مبصرة أو سميعة، ثم يتبين له بعد ذلك أنها كانت في وقت ما عمياء أو صماء، فليس له أن يفسخ الزواج بناء على ذلك.
ثانيا: لا شك في أن قيام الطبيب بإصلاح غشاء البكارة الذي تمزق بهذا الصنف من الأسباب لا يترتب عليه أي معنى من معاني التشجيع على فعل الفاحشة؛ إذا المفترض أن الفتاة لم تقع في فاحشة أصلا، ولم تعص ربها سبحانه بما وقع عليها رغما عنها. وامتناع الطبيب عن الرتق ليس فيه أي معنى من معاني الزجر عن الوقوع في فاحشة الزنى؛ لأن الزجر لا يتأتى إلا بالنسبة للعصاة. وقد عرفنا ذلك من تجاوز الشرع عن المكرهين والمضطرين والمخطئين؛ حيث رفع عنهم المسؤولية والعقاب؛ لما فيه من ظلم أولا، ولعدم جدداه ثانيا.
بل إن هذه المفسدة، وهي تشجيع الفاحشة، قد تكون أثرا لامتناع الأطباء عن الرتق، كما أشرنا إليه فيما سبق؛ لأن الفتاة التي تجد نفسها وقد زال دليل عذريتها،وأغلقت الأبواب أمام إعادته، في مجتمعات تؤاخذ على ذلك، ستكون أقرب إلى مطاوعة الشيطان والوقوع في الفاحشة، في زمن انتشرت فيه الوسائل الكفيلة بالوقاية من القرينة الأكثر دلالة على تلك الفاحشة وهي الحمل، مع ملاحظة ما ركب في ابن آدم وبناته من الغريزة الجنسية، التي لاحظها الشارع في تشجيع الزواج. وهذه الفتاة تخشى من الإقدام على الزواج، الذي سيكشف عن حالها، ولا يبقى أمامها سبيل يلبي لها داعي فطرتها، سوى الاتصال المحرم الذي يمكن ببعض الاحتياط أن يكون مستورا.
ثالثا: وأما مفسدة كشف العورة والنظر إليها فلا شك في وجودها في الرتق مهما كان سبب التمزق.
غير أن الفقهاء أجازوا كشفها والنظر إليها إذا وجدت حاجة أو مصلحة راجحة أو ترتب على الكشف دفع مفسدة أعظم من مفسدته، يقول العز بن عبد السلام (كشف العورات والنظر إليها مفسدتان محرمتان على الناظر والمنظور إليه؛ لما في ذلك من هتك الأستار ويجوزان لما يتضمنه من مصلحة الختان أو المداواة أو الشهادات على العيوب أو النظر إلى فرج الزانين؛ لإقامة حدود الله، إن كان الناظر أهلا لشهادة بالزنى وكمل العدد … ".
وبناء على ذلك، وما دامت المصالح التي سبق ذكرها قائمة، وما دام تمزق البكارة مظنة قوية لترتب مفاسد تصيب الفتاة والمجتمع، فإن الحاجة إلى الكشف عن العورة في هذه المسألة جائز، ولا تقل عن تلك الحاجات التي ذكرها الفقهاء واعتبروها مبررات لكشف العورات والنظر إليها.
ـ[أبو محمد التونسي]ــــــــ[17 - May-2008, صباحاً 04:02]ـ
نتيجة الموازنة بين المصالح والمفاسد في هذا الصنف:
¥