الصنف الأول
وهي الأسباب التي لا تعتبر في ذاتها معاصي، ولا يترتب عليها إثم أخروي، بل قد تكون أسبابا للمغفرة وحط الخطايا؛ لأنها حوادث وآفات ومصائب تصيب الفتاة فتؤدي إلى تمزق بكارتها كالسقطة والصدمة، والحمل الثقيل وطول العنوسة،وكثرة دم الحيض والخطأ في بعض العمليات التي يكون الغشاء محلا لها،ونحو ذلك.
ويلتحق بذلك الاغتصاب الذي قد يقع على الفتاة، وإن كانت بالغة راشدة؛ فإنها لا حيلة لها فيما يصيبها نتيجة هذا الإكراه. وكذلك الزنى الذي تقع فيه نائمة أو جارية صغيرة بناء على مخادعة أو غير ذلك؛ فإن المسئولية في الدنيا والآخرة مرفوعة عن الصغار مهما ارتكبوا من المعاصي، وعن المكرهين على فعلها؛ حيث قال رسول الله r " رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يعقل، وعن النائم حتى يستيقظ،وعن المجنون حتى يفيق "،وقال " وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
إن إصلاح تمزق البكارة الناشيء عن هذا النوع من الأسباب مظنة لتحقيق جميع ما تقدم من المصالح في المبحث الأول بصورة كاملة؛ لأن الفتيات اللواتي يقعن في مثل هذه الأسباب أحق بالنظر والرعاية والمساعدة؛ وهن معذورات عند الله تعالى وعند الناس.فالستر مثلا إذا كان أمرا مندوبا بالنسبة لمن وقعن في الفاحشة بالفعل؛ لما تقدم من النصوص الشرعية، فلان يكون كذلك بالنسبة لهذا الصنف من الفتيات أولى بكثير؛ إذ لم يقعن في فاحشة أصلا،أو لم يكن لهن اختيار عند الوقع فيها، والستر عليهن يحميهن من مؤاخذات ظالمة.
وأما مصلحة حسن الظن فإن تصرف الطبيب مع هذا الصنف من الفتيات بإزالة أثر الحادث الذي تعرضن له يسهم إلى حد كبير في تحقيق هذه المصلحة؛ حيث يمحو بتصرفه هذا مبررا وهميا قد يدفع أفراد المجتمع ـ لو بقي ـ إلى سوء الظن ببعض بناته.
وهو من جهة أخرى يشجع هذا الصنف من الفتيات على مواصلة الاستقامة، ويسد بابا قد ينفذ منه الشيطان إلى نفوسهن لو لم يستجب إلى ما طلبن من العون والمساعدة.
ومن جهة ثالثة يحتمل أن يكون تصرف الطبيب هذا سببا في إنقاذ المجتمع وكذلك الأزواج الذين قد يرتبطون بهذا الصنف من الفتيات من ردود فعل تجاههن ليس لها أي مبرر، ومن ظلم لهن كانوا سيقعون فيه لو وقف الطبيب موقفا سلبيا.
وأما مفاسد الرتق لهذا الصنف فهي ضئيلة إذا ما قيست بتلك المصالح، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولا: إن النوع الأول من المفاسد التي سبق ذكرها، وهو غش الزوج وخداعه غير موجود في هذا التصرف؛ لأن الغش إنما هو إخفاء عيب أو نقص في المحل بحيث يبدوا أمام طالبيه خاليا من ذلك العيب، فيترتب عليه الإضرار بذلك الطالب. فإذا كانت الفتاة قد تمزقت بكارتها بسبب لا يبعد معصية، ولا عيبا في عرف الشارع ولا في عرف الناس، ثم قام الطبيب بإصلاح هذا الخلل، لم يكن بذلك غاشا للزوج؛ لأن العيب في الفتاة إما أن يكون خلقيا، وإما أن يكون خلقيا، والفتاة التي تمزقت بكارتها بحادث أو رغما عنها ليس فيها أي عيب خلقي، وإنما حدث فيها عيب طفيف في الجسد، فإذا أصلحه الطبيب، وأعاده إلى سابق خلقته فإن صنيعه هذا إظهار للحقيقة، ووضع للأمر في نصابه، وليس في فعله إخفاء عيب كان موجودا في الفتاة، بل حقيقته منه الوقوع في الوهم وسوء الظن؛ حيث إن إحجامه عن رتق البكارة سيؤدي إلى اتهام الفتاة بما لم تقع فيه، وتعريض الزوج والناس إلى الوقوع في الإثم بسبب هذا الاتهام. وفعله هذا لا يقل في استجلاب الأجر من علاجه لجرح عادي وقع على الجسد، بل هو أولى بالأجر من ذلك؛ لما ذكر من تخليص الفتاة من مفاسد معنوية كثيرة تفوق ما يترتب على الجرح العادي أو تمزق غشاء آخر من أغشية الجسد الآدمي.
ومن الناحية الفقهية فإن الفقهاء يكادون يتفقون على أن فوات وصف العذرية لا يعتبر عيبا يستوجب فسخ عقد النكاح إذا لم يشترطه الزوج بصراحة.
وبناء على هذا فإن الطبيب؛ برتقه بكرة الفتاة، لا يكون قد فوت على من سيتزوجها حقه في الفسخ.
أما إذا اشترط الخاطب أن تكون الفتاة بكرا، فباتت ثيبا،وكان سبب ثيوبتها ما تقدم ذكره من وثبة أو حدة حيض أو تعنيس أو حمل ثقيل، لم يكن للزوج حق الرد عند جمهور الفقهاء؛ لأن البكر عندهم هي التي لم توطأ في عقد نكاح.
¥