فإذا ما قامت أعراف وتقاليد اجتماعية مغايرة للقانون الإسلامي كان ذلك انحرافا في المجتمع، ينبغي تصحيحه بالتوعية الإسلامية من جهة، وعدم ترتيب أية آثار شرعية عليه من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة ينبغي حماية المتضررين من هذا الانحراف الاجتماعي، الذين يؤاخذون بما لم يؤاخذهم به الله تعالى، في الدنيا على الأقل، ويتحملون من المضايقات بسببه ما لم يحملهم الشرع.

إن الشريعة ـ كما تقدم ـ لا ترتب على المرأة التي يظهر تمزق بكارتها أية عقوبة في الدنيا، إذا لم يقترن ذلك باعتراف منها أو شهادة عدول أربعة عليها، ومع ذلك فإن طائفة من مجتمعاتنا تعاقب هذه المرأة بعقوبات تفوق في شدتها أحيانا ما يعاقب به الشرع امرأة بكرا ثبت عليها الزنى بالوسائل الشرعية، فتكون سببا في تدمير حياتها الزوجية أحيانا، أو في حرمانها من الزواج أحيانا،وقد يصل الأمر في بعض المجتمعات إلى إزهاق روحها. فتكون هذه المجتمعات بذلك قد نصبت نفسها قاضيا ظالما بما لم يأذن به الله عز وجل، وبناء على قرائن لا يعترف بها شرعه الحنيف.

وإذا كان من الصعب ـ في كثير من الأحيان ـ تغيير هذه التقاليد، فلا أقل من حماية المرأة من هذا العسف الاجتماعي بإخفاء القرينة ـ التي لم يعتبرها الشرع ـ عن أولئك الذين يبنون عليها أحكامهم الظالمة.

هـ – إن قيام الطبيب المسلم بإخفاء تلك القرينة الوهمية (في دلالتها على الفاحشة) له أثر تربوي عام في المجتمع وخاص يتعلق بالفتاة نفسها.

فأما الأثر التربوي العام فبيانه أن المعصية إذا أخفيت انحصر ضررها في نطاق ضيق جدا، وقد يقتصر فاعلها إن لم يتب عنها، فإن تاب عنها أمحى أثرها تماما، أما إذا شاعت بين الناس وتناقلتها الأخبار فإن أثرها السيء يزداد، وتتناقص هيبة الناس من الإقدام عليها، فإن تكررت مرات ومرات ازداد ذلك التناقص إلى أن يضمر الحس الاجتماعي بآثارها السيئة، فإذا وصل الأمر إلى هذا الحد صار من الهين على أفراد المجتمع الإقدام على هذه المعصية،ولقد قيل في الأثر: (إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، فإن أعلنت ولم تنكر أضرت بالعامة). ولعل هذا المعنى بعض من حكمة الستر الذي حث عليه الإسلام ـ كما تقدم ـ ولعله حكمة من حكم التشدد في إثبات فاحشة الزنى ودرئها عن المتهم بأدنى شبهة،وحكمة من حكم العقاب الجسيم الذي شرعه الإسلام لمن رمى الناس بها بغير دليل معتبر.

فإن من مقاصد هذه التعاليم والأحكام الشرعية ضرب الحصار حول المعاصي والفواحش التي لم تثبت بالأسلوب الشرعي في الإثبات، ولم تعرض على القضاء، حتى لا تتسرب روائحها الخبيثة إلى الناس، فتثير ردود فعلهم في باديء الأمر، فإذا كثرت وطغت اعتادوا عليها وصارت أمرا غير مستنكر ولا مستقبح ولا يسوغ في الإسلامي إعلان المعاصي وفك الحصار الذي ضربه حولها بتلك التعاليم إلا لسبب واحد هو أن تعرض على القضاء وتثبت أمامه بالوسائل المشروعة، وعندئذ يوفي العاصي عقوبته على مرأى من الناس ومسمع منهم، إذ يصبح إعلان العقوبة عندئذ وسيلة لإبقاء المعصية الثابتة المعلنة في حيز دائرة لاستنكار من نفوس الناس.

والطبيب عندما يقوم بالستر على فتاة بطمس علامة سيتخذها الزوج في المستقبل ومن بعده الناس، دليلا على الفاحشة،مع أنها في الحقيقة وفي الشرع ليست كذلك، إنما يحقق ذلك المقصد الشرعي ويعرقل تطبيعا غير مقصود لتقبل المعاصي على المدى الطويل قد يقع فيه الحس الاجتماعي.

وأما الأثر التربوي الخاص بالفتاة نفسها فذلك أن الطبيب برتقه بكارتها إنما يشجعها على التوبة وييسر أمرها عليها، على فرض وقوعها في المعصية، ويثبتها على العفاف الذي كانت عليه على فرض أن تمزق بكارتها لم يكن بسبب معصية.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015