وهذا الحديث أولى, فإن فيه إباحة لبسها أحيانا. قال الشوكاني رحمه الله في النيل (2/ 107): (فيه الإذن بلبس السراويل, وأن مخالفة أهل الكتاب تحصل بمجرد الاتزار في بعض الأوقات, لا بترك لبس السراويل في جميع الحالات, فإنه غير لازم, وإن كان أدخل في المخالفة) اهـ.وقصده بهذا لبسها مع غيرها لا وحدها,. فإن المعروف عن أكثر أهل الكتاب لبسها وحدها كما هو معلوم من زيهم القديم.
ومن أحسن الكلام في هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (22/ 326): (هل الأفضل لكل أحد أن يرتدى ويأتزر ولو مع القميص ,أو الأفضل أن يلبس مع القميص السراويل من غير حاجة إلى الإزار والرداء هذا أيضا مما تنازع فيه العلماء والثاني أظهر, وهذا باب واسع).
هذا كله خارج البيت, أما في البيت فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف (5/ 171) حدثنا زيد بن الحباب عن أبي خلدة قال رأيت أبا العالية عليه سراويل قال: فقلت له: ما لك وللسراويل في البيت؟! قال: إنها من لباس الرجال)
وأما ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (5/ 171) حدثنا وكيع عن معاذ بن العلاء عن أبيه عن جده قال: (خطبنا علي بالكوفة وعليه سراويل).فضعيف. العلاء بن عمار والد معاذ مجهول.
ثانيها أنه من خوارم المروءة, ولا يعرف ذلك عن أهل الفضل. كما عند ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق (7/ 91):
(وذكر الكرخي أن من يمشي في الطريق بالسراويل وحده ليس عليه غيره لا تقبل شهادته لأنه تارك للمروءة) وفي شرح فتح القدير (7/ 412): (وأما ما ذكر الكرخي أن من مشى في الطريق بسراويل ليس عليه غيره لا تقبل شهادته فليس للحرمة بل لأنه يخل بالمروءة)
وقال ابن عابدين في رد المحتار (7/ 160): (والمروءة أن لا يأتي الإنسان بما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل ,وقيل السمت الحسن وحفظ اللسان وتجنب السخف والمجون والارتفاع عن كل خلق دنيء, وقد ذكروا منها المشي بسراويل فقط).
و قال الأستاذ مشهور حسن سلمان في (المروءة وخوارمها /ص149): (المشي في السوق بالسراويل وحده, عده ابن الهمام في فتح القدير (7/ 414). والموصلي في الاختيار (2/ 148). والعيني في البناية (7/ 179) وابن نجيم في الرسائل الزينية (ص256) وفتح الغفار (2/ 88) من خوارم المروءة.
ثالثا: أنه يكشف عن شكل العورة ويصفها. ولذلك اعتبر بعض الفقهاء لبسه في الصلاة خلاف الأولى.ففي نهاية المحتاج (2/ 8) وحاشية الجمل على شرح المنهج (1/ 409) والمنهج القويم (1/ 234): (وإن حكى حجمها كسروال ضيق لكنه مكروه للمرأة ومثلها الخنثى فيما يظهر وخلاف الأولى للرجل) وزاد في المنهج القويم: (أو كان غير ساتر لحجم الأعضاء كأن كان طينا) وكرهه آخرون.فقال ابن المواق في التاج والإكليل (1/ 502) في شرح قول خليل: (وكره محدد) أي محدد للعورة واصف لشكلها: (ابن الحاجب: ما يصف لرقته أو لتحديده مكروه كالسراويل, ابن يونس: لأنه يصف والمئزر أفضل منه)
وقال القرافي في الذخيرة (2/ 111): (قال صاحب الطراز: السراويل مكروهة ابتداء, وهو قول الشافعي ومالك في العتبية, لما في أبي داود أنه عليه السلام نهى أن يصلي في سراويل ليس عليه رداء. ولأنه يصف, ومن زي العجم, وقال أشهب: يعيد من صلى في السروال والتبان في الوقت)
قلت: أما الحديث فرواه أبو داود (636) حدثنا محمد بن يحيى بن فارس الذهلي ثنا سعيد بن محمد ثنا أبو تميلة يحيى بن واضح ثنا أبو المنيب عبيد الله العتكي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى في لحاف لا يتوشح به, والآخر أن تصلي في سراويل وليس عليك رداء) وحسنه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود.
وقال ابن الحاجب في جامع الأمهات (1/ 89) أيضا: (والساتر الشفاف كالعدم ,وما يصف لرقته أو لتحديده مكروه كالسراويل بخلاف المئزر).
قلت: قوله (والساتر الشفاف كالعدم وما يصف لرقته أو لتحديده) معناه: أن الثوب الذي يشف ويظهر لون البشرة والذي يصف حجم العورة كالعدم, أي أن وجوده كعدمه. لأنه لا يستر. ودليل هذا من شرع الله تعالى حديثان:
¥