ـ[أبو الفداء]ــــــــ[25 - صلى الله عليه وسلمpr-2009, مساء 01:36]ـ

ملحوظة ضرورية وإن كانت مكررة:

أرجو أن يفرق الإخوان بين قول المجتهد على مذهب مخالفه: هذا القول عندي بدعة (وإن كان قولا مشهورا في خلاف مشهور)

وبين قوله على أحدهم: هذا الرجل "مبتدع" أو "من أهل البدع" ..

وهو ليس تفريقا بين الاسم والحكم أو الوصف والموصوف وحسب، فبمتدع هذه في الأصل قد يراد منها تورط الرجل ببدعة كلية (في الأصول مثلا) أو بدعة جزئية، أو بدعة خلافية، (بغض النظر عن لحاق المذمة والتهمة بالموصوف من عدمها) غير أنها لا استعمال لها من جهة الاصطلاح فيما أعلم إلا في أصحاب البدع الكلية الخارجين بها عن سبيل أهل السنة، لذمهم والتحذير منهم وصد الناس عن سبيلهم .. ولهذا لا نقول باستعمالها إلا مع هؤلاء! وهذه بالمناسبة خارج محل البحث أصلا - وأرجو التصويب من الشيخ أمجد إن كنت مخطئا - لأن الموضوع عن وصف القول لا عن وصف القائل فتنبهوا بارك الله فيكم.

فوصف القول نفسه بأنه بدعة هذا كان ولا يزال يجري على ألسنة المجتهدين في مسائل خلافية كثيرة، ولا يلزم منه التهمة في المخالف أبدا!

فلو أنك سمعت عالما مجتهدا يجيز استعمال السُبحة، مثلا، فما رأيك؟ إما أن توافقه على أنها لا شيء فيها، أو أنك تقول بقول من يرى أنها بدعة! والخلاف في هذه المسألة قديم مشهور .. فقول مخالفك هذا عندك أنت بدعة، ولكن صاحبه ليس من "أهل البدع" ولا يحق لك بحال من الأحوال أن تلقبه بفلان المبتدع على سبيل الجرح والطعن الملازم له!

ومثل ذلك مسألة حكم تعليق المصحف كتميمة للتبرك به، هذا الخلاف في مشروعيته مشهور أيضا ومن القرون الأولى، فإن وصف المانعُ المجيزَ في هذه المسألة بأن قوله هذا بدعة، وبأنه يرى هذا الفعل بدعة لأنه لا يتأتى عنده ما يستند إليه في مشروعيته وإن قال به من قال، أفيلزم من ذلك أن يجري على المخالف عندك ما اصطلح عليه أهل العلم بلفظة "تبديع" أو النسبة إلى أهل الأهواء والبدع بسبب هذا الكلام؟؟ كلا لا يلزم أبدا بل لا يجوز!

هذا لا يلزم إلا عند من لا يدري كيف يقدر الخلاف بقدره ولا يعرف للناس أقدارهم ولا يدري وجه ما يطلقه من مصطلحات! والذي هكذا حاله خير له ألا يطالع كثيرا من كلام السلف في الرد على مخالفيهم - من السلف أيضا - في مسائل خلافية فرعية كثيرة .. وإلا خرج بأن الصحابة "يبدع" بعضهم بعضا ويتهم بعضهم بعضا في دينه على الخلافيات!!

وأكرر أنني لا أجيز في زماننا هذا تنزيل هذه اللفظة على المخالف في المسائل الاجتهادية - وإن لم أر بأسا في أن يعتقدها المجتهد في كلام مخالفه كما يعتقد خطأه وبطلانه - دفعا للاشتباه ولأنه لم يعد من أهل العلم من يصف بمثلها كلام مخالفه في المسائل الاجتهادية، لغلبة الشبهات والاتهامات الباطلة لأهل السنة بأنهم يخرجون من الفرقة الناجية كل من يخالفهم في أمر من الأمور وكذا!

ولكن في الأصل البدعة - بعمومها - هي إحداث شيء في الدين بلا أصل ولا دليل يصح الاستناد إليه .. أن يُجعل من الدين ما ليس منه! فلو رأيت أنا أن مخالفي في جواز تعليق المصحف كتميمة - مثلا - لا يقف على دليل صحيح تقوم بمثله الحجة قط، - يعني أدلته لا ترقى في نظري للاستدلال - أفلا يحق لي أن أقول لمن سألني بأن تعليق المصحف على هذا النحو عندي أنا بدعة؟؟؟ سأذكر الخلاف إن دعت المصلحة الدعوية إلى ذكره، وأنزه - ولا شك - من خالفني فيه من العلماء فضلا عن السلف عن قصد الإحداث في الدين .. ولكن السؤال: أيحق لي أن أعتقد أن هذا الفعل في ذاته بدعة، وأن من قال به فقد قال ببدعة أم لا يحق؟ في مسألة قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، مثلا - والأمثلة كثير - بعض العلماء يرى شذوذ الزيادة في الحديث التي على أساسها قيل بمشروعية هذا الفعل بهذا القيد .. أفلا يحق - إذن - لمن رجح عنده شذوذ تلك الزيادة، أن يقول بأن المداومة على هذا الفعل على هذا الوصف = بدعة عنده؟ وإلا فما هي البدعة إذا؟ قصر مفهومها على مخالفة الثوابت والأصول ومخالفة المسائل المجمع عليها هذا تقييد للمعنى والمفهوم المتفق عليه لها، ويلزم له إثبات صحة القيد أولا قبل القول به .. فيلزم حينئذ أن يقال: "البدعة هي كل ما أُحدث على غير مثال سابق، وكان خارقا لإجماع الأمة" لنخرج من التعريف كل ما كان محل نزاع، ونلغي بذلك أي اعتبار لكلام من اختلفوا في بدعية بعض الأعمال من أهل العلم المتقدمين والمتأخرين جميعا .. وهذا لم أقف على أحد قال به، فهل وقف أحدكم عليه؟!

هذه هي، فتأملوها بارك الله فيكم، لا أكثر ولا أقل!

أما مسألة اعتبار الاستعمال الغالب للمصطلح في زماننا واعتبار المصلحة الشرعية واعتبار حال المستفتي في مثل هذه الاطلاقات فواجب ولا ريب وقد قررت أني لا أرى أن يستعمل المجتهد في زماننا مع من خالفه تلك الشدة التي أثرت عن بعض السلف في رد أقوال مخالفيهم، ولا قريبا منها: ومن ذلك أن يصفه بأنه يفتي ببدعة أو بمحدثة - وإن كان يرى ذلك بحسب مذهبه الذي رجح عنده في المسألة الخلافية!

فأرجو أن أكون قد أحسنت تحرير الكلام هذه المرة ليتضح منه مرادي .. وأرجو الروية من الأفاضل الكرام وحسن التأمل في الكلام قبل المسارعة إلى الإلزام والاتهام، بارك الله فيكم، والله الموفق إلى الخير والسداد.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015