ومن المسائل ما قد يقع فيه خلاف معتبر بين القائلين بالمشروعية والقائلين بالبدعية (وليس للمشروعية من قسيم إلا البدعية: فالفعل التعبدي إما مشروع وإما مبتدع، لا ثالث لهما!) فينظر الناظر فيجد - على سبيل المثال - صحابيا وتابعين أو ثلاثة يقولون بالبدعية، ويجد المشهور عن الصحابة والسلف في المقابل القول بالمشروعية .. فهل له أن يقول أن القائلين بالبدعية لم يصلهم الدليل؟ نقول ربما، هذا محتمل مهما عظم قدرهم .. ومحتمل أن يكون قد بلغهم ولكن رجح عندهم ما يخالفه ..

وهل له حينئذ أن يقول أن له سلفا في وصف هذا الفعل بأنه بدعة؟ نقول نعم يسعك ما وسعهم، على اعتبار أن الخلاف في المشروعية قديم بين السلف .. ولا يقال حينئذ أن الذين لم يقولوا بالمشروعية ولكنهم كذلك لم يقولوا بالبدعية: لا يوافقون الذين قالوا بالبدعية على إطلاق الوصف بالبدعة! فليس من بديل للمشروعية سوى البدعية أصلا!

ولأضرب مثالا على ذلك، خلافهم في الجهر بالبسملة في الصلاة .. أبو هريرة رضي الله عنه صلى صلاة جهر فيها وقال أنه أعلم الناس بصلاة النبي عليه السلام .. وفي المقابل فقد نقل عن بعض السلف أن هذا الجهر بدعة! فهل انفرد من نقل عنه القول بالبدعية بوصف رفع الصوت بالبمسلة بأنه بدعة؟ كلا! بل كل من لم يكن يرى مشروعية هذا الفعل - والخلاف سائغ مشهور - لن يجد بدا إن طلبت منه وصفا يصف به ذلك الفعل إلا أن يصفه بأنه بدعة! يريد بذلك أنه غير مشروع ولا يثبت عنده دليل على مشروعيته! وهو اجتهاد من هذا واجتهاد من ذاك، فمن وافق بعضهم وقال الجهر بدعة، فله في سلفه كل من لم ير مشروعيته في الصلاة، ليس فقط من ثبت عنهم التصريح بأنها بدعة! ومن خالف وقال بل هو مشروع قد ثبت فعله عن النبي عليه السلام، فهو مخالف لكل من قال ببدعيته، ولا تثريب على هؤلاء ولا على هؤلاء! طالما أننا نفهم ما نقصده بالبدعة فهما صحيحا، ونفهم لازم وصف هذا الفعل بعينه بأنه بدعة، ونحفظ للمجتهد حقه من هؤلاء ومن هؤلاء ونرجو لهم جميعا من الله الأجر، فلا يضيرنا أن نصف الفعل بأنه بدعة وأن القائل بمشروعيته قد وقع بذلك في بدعة!

أما مسألة فقه الدعوة من جهة مراعاة أحوال العامة وسوء فهمهم للوازم البدعة وللتفصيل الدقيق في التبديع وتخطئة المخالف وفقه الإنكار عليه وكذا، فهذا اعتبار آخر وقضية أخرى لا دخل لها بالمسألة، فأرجو ألا يداخل بعض الإخوة بالكلام فيها ها هنا. فلا يخالف من له أدنى قدر من الفهم في دين الله في أن التبديع - مثلا - بالقول بخلق القرءان، ليس كالتبديع بالقول بمشروعية مسح الوجه بالكفين بعد الدعاء (عند القائل بعدم مشروعيته)!! فليتأمل أولو الألباب ..

هذا والله أعلى وأعلم، ولله الحمد أولا وآخرا.

ـ[أبو الفداء]ــــــــ[24 - صلى الله عليه وسلمpr-2009, صباحاً 08:57]ـ

خلاصة القول - وفقكم الله - أن القول قد يوصف بأنه بدعة (على اعتبار أن البدعة هي خلاف المشروع) ويوصف صاحبه يأنه كان به على بدعة، ولكن يختلف الحكم عليه بالبتديع من حيث الرتبة بحسب تلك البدعة .. فقد يكون بها مخطئا مأجورا في بعض مسائل الفرعية، وقد يكون بها منحرفا ضالا خارجا من أهل السنة، ملتحقا ببعض الفرق النارية!!! فليست البدعة سواءا، وليس الواقع فيها على حكم واحد!

فقولكم يا شيخ أمجد:

فلا شك عندي أن القائل لا يقال عنه مبتدع إذا أداه اجتهاده إلى هذا القولهذا فيه عندى تفصيل لازم حتى لا يلتبس على الناس، بارك الله فيكم .. فمدار الأمر على المراد بكلمة "مبتدع": هل هي جعل هذه الصفة لازمة له، من باب إلحاقه بقوم خارجين على السنة أو بأهل الأهواء والزيغ أو نحو ذلك، وجعل ذلك جرحا فيه وقدحا في ديانته، أم أن المراد بمبتدع أي قائل ببدعة، كمن يقول بمشروعية شيء لا يصح الدليل عندنا على مشروعيته؟؟ فإن كانت الأولى فأنا معكم، لا شك عندي في أن الذي أداه اجتهاده إلى مشروعية شيء خالفه فيه غيره هذا لا يقال عنه "مبتدع"، أما على الاعتبار الأعم والأشمل لمعنى كلمة بدعة - وبالتالي لمعنى كلمة مبتدع - فليس في إلحاق ذلك الوصف به من ضير، لأنك تصف مخالفك في الاجتهاد بالمخطئ، بل لو قلت عنه أنه ضل، (بمعنى الضلال عن الصواب في نظرك) جاز لك ذلك، على اعتبار التقيد بهذا الوجه من المعنى اللغوي، لا الوجه الذي تلحق بسببه المذمة والقدح! وهذا التوجيه في الحقيقة ضروري، حتى يفهم الناس أن هناك فرقا بين المعنى المشتهر الخاص، والمعنى الأعم الأشمل .. ولكن احترازا - وأنا من أكثر الناس حبا للاحتراز في إطلاق الألفاظ - لا أرى أن تستخدم هذه الكلمة في وصف المخالف في المسألة التي يسوغ فيها الاجتهاد، لأنها محمولة في أذهان عامة العامة بل والخاصة كذلك على الوجه المذموم .. فتركها أولى ولا شك.

ومن هذا الباب فإن قولكم وفقكم الله

مرادي بالسلف ما دون الصحابة لأن القول إذا اختاره صحابي لا يوصف بالبدعة ما لم يكن معدودا من شذوذاته ينسحب عليه نفس التفصيل، فقد يمتنع وصف آحاد الصحابة ممن قالوا بمشروعية ما خولفوا في مشروعيته، بالبدعة أو بالابتداع عند مخالفيهم من طبقتهم أو ممن دونهم، على اعتبار ولا يمتنع على اعتبار آخر .. ولكن لا شك أن منع استعمال هذا اللفظ معهم لعلة ترك المتشابه من الألفاظ في الكلام عنهم آكد بكثير في حقهم منه في حق غيرهم، واليوم أكثر الناس لا تفهم من الوصف بالوقوع في البدعة إلا القدح في الدين، والله المستعان.

---

ملحوظة: من رأى فيما كتبتُ ما لا يقبله، فأرجوه ألا يتسرع بالرد والتهجم حتى يستفصل مني عما أقصده، فلعله لم يفهم مرادي ولعلي لم أحسن العبارة عنه، فالروية الروية والرفق يا عباد الله .. واستصحاب حسن الظن أليق بكم جميعا، وفقكم الله وسددكم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015