نعم فاعل البدعة أو القائل بها مبتدع فيها بحسبها، وهذا من حيث القاعدة كما نقول من فعل كذا فقد ابتدع .. فلا فرق من هذه الحيثية بين الحكم على فعل ما بأنه بدعة أو كفر، وبين وصف القائل به أو فاعله (من جهة النوعية لا العينية) بقولهم من قال كذا أو من فعل كذا فقد ابتدع أو كفر! ولكن البدعة فعل أو قول قد يرى المجتهد مشروعيته لدليل صلح عنده للاستدلال مع أنه على الصواب ليس يصلح .. ولكن هل قولنا "على الصواب" هذا في مسألة متفق فيها على أنه لا يصلح، أم مختلف فيها؟ أعني في القرون الفاضلة فهي المرجع عند النزاع .. وهل الخلاف سائغ أم أن فيه قولا متفقا عليه وقولا شاذا، شذ به من شذ ولو كان صحابيا؟ وحينئذ هل يقال أن هذا الصحابي "مبتدع" على هذا الإطلاق، بحيث تلحق به هذه الصفة؟ هل يطلق عليه أنه من "أهل البدع" أو أنه مبتدع، ويلصق به ذلك؟؟ كلا ولا شك! بل هو مخطئ في اجتهاده - ويصح أن يقال أنه كان فيه على بدعة مع كونه مجتهدا مأجورا - لاتفاق السلف على خلاف ما انفرد هو به، ولا يوصف بأوصاف مطلقة من مثل هذه التي نلحقها بأهل الفرق الضالة ونميز بها صاحب البدعة الأصلية الكلية من الواقعين في البدع الجزئية، فضلا عن التمييز بين المتسنن المجتهد ومن يتبع الهوى تقليدا! تماما كما نقول في فاضل من أهل العلم: وافق الأشاعرة والمعتزلة مثلا في كذا، ولكن لا نلحقه بهم .. مع أن قوله هذا المنسوب إليه متفق على بدعيته وفساده، فكيف إن لم نهتد إلى اتفاق بين الصحابة والسلف على تبديع القائل أو الفاعل في هذا الفعل أو ذاك، وكان لذاك القائل أو الفاعل مستند يستدل به - صلح للاستدلال أو لم يصلح؟
تأملوا قول شيخ الإسلام رحمه الله - والذي نقله الفاضل الأزهري في مشاركته الأخيرة - إذ يقول:
"كثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآياتٍ فهموا منها ما لم يرد منها، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع ... " اهـ.
فقوله هذا رحمه الله قد يدخل فيه من قال بمشروعية شيء لا يقوى عليه دليل عند مخالفه -وأن كان المخالف هو جمهور العلماء -، كما قد يدخل فيه من شذ بتلك المشروعية (موافقا لمن شذ بها كذلك من السلف)! والواجب حينئذ هو عين ما يجب على كل مجتهد إزاء من خالفه في الاجتهاد ما دام الخلاف خلافا سائغا! (هذا مع العلم بأن بعض مسائل الخلاف في الفرعيات قد لا يراها بعض المجتهدين مما يسوغ فيه الخلاف، وهذه مسألة أخرى). أما من شذ، فعلينا إعذاره وترك متابعته على قوله ذاك، مع العلم بأن ثبوت وصف البدعة على الفعل الشاذ الذي اتفق السلف على أنه ليس بمشروع، أقوى اعتبارا من ثبوته على الفعل الذي في مشروعيته خلاف مشهور بينهم .. وإن كان المعنى (معنى البدعة) يشملهما جميعا عند من لا يرى أصل المشروعية، وإن تفاوت مقداره وما ينبني عليه من أحكام إزاء الواقع فيه عنده.
فعلى مثالنا الذي مثلنا به آنفا، الرجل الذي نراه يمسح وجهه بيديه بعد الدعاء هذا لا نرميه بالبدعة كوصف ملابس له يتميز به، إن كنا من القائلين بعدم مشروعية فعله هذا لضعف الدلالة عندنا .. وإنما نقول فعله هذا بدعة (عند ذكر ذلك الفعل أو عند الكلام على مذهبه فيه)، وهو عندنا مبتدع فيه تحديدا، أو مقلد لمبتدع فيه .. أو موافق لمبتدع باجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد والنظر وقد توصل إلى مشروعيته بناءا على اجتهاده .. فهو عندنا على بدعة بفعله ذاك! ولكن هل هذه البدعة تهمة في حقه أو خارمة لتسننه أو لفضله أو نحو ذلك؟؟ كلا ألبتة، ولا قريب من ذلك! فهو مجتهد فيما ساغ فيه الاجتهاد من القرون الأولى! واختياره الذي ذهب إليه له فيه سلف .. فلا نشنع عليه به ولا نتهمه في دينه وتسننه واتباعه!
¥