الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام، كما قال -صلى الله عليه وسلم- (وأما ذروة سنامه فالجهاد في سبيل الله) (صححه الألباني)، وهو سبب عز المسلمين، وتركه سبيل لصغارهم وذلهم، فعن علي –رضي الله عنه-: "وما تركوا الجهاد إلا ذلوا"ومنذ أواخر عصر الدولة العثمانية، وزحف الجيوش الإسلامية لنشر دين الله، وإعلاء كلمته في الأرض متوقف، مما دفع كثيرا من الشباب المحب لدينه الذي يقرأ عن الجهاد وفضله، وعن الشهادة وشرفها يتشوف إلى هذه المكرمة التي سماها بعضهم بالفريضة الغائبة.
ومن المعلوم شرعا أن تحديث النفس بالطاعات والعبادات كلها وإن خرجت عن المستطاع أمر مطلوب، تعويدا للنفس علي هذه الطاعات، ومسارعة لأمر الله ولو بالقلب، وعملا بأن نية المسلم أبلغ من عبادته."
تحديث النفس بالطاعات والعبادات كلها وإن خرجت عن المستطاع أمر مطلوب
"
ولما كان الجهاد خارجا عن المستطاع للأفراد في أحوال كثيرة لعدم الشوكة والعدة، لكنه يظل طاعة وعبادة ينطبق عليها ما ذكرنا سالفا عملا بقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- (من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق) (رواه مسلم).
إذن فتحديث النفس بالجهاد حتى تهيئة أسبابه أمر محمود، بل مطلوب شرعا، ولكن آفة الاستعجال ووضع الشيء في غير موضعه جعلت كثيرا من هذا الشباب المتحمس يفرغ طاقاته الجهادية في تصرفات طائشة تزهق بها أرواح المسلمين، وتسفك بها دماؤهم عن طريق وضع ما يعم ضرره في طرقات المسلمين مستهدفا بها سائحا أو سياسيا أو مفكرا من خصوم الدعوة الإسلامية، متجاهلا أحكام التكفير، وضوابط تكفير المعين، وأحكام الصلح والهدنة والأمان مع الكفار، وضاربا عرض الحائط بضرورة قياس المصالح والمفاسد، ومستهترا بدماء المسلمين الذين سيسقطون غالبا بجوار هدفه معزيا نفسه بأنهم سيبعثون على نياتهم.
ولقد عانت بلادنا من ذلك ردحا طويلا من الزمن حتى انقشعت هذه الفتنة عنها بفضل الله، ومع ذلك مازال البعض يكرر التجربة في بلاد أخرى، وربما في أماكن أخرى من بلادنا كسيناء، متجاهلا الضوابط الشرعية، ومعرضا عن الاتعاظ بمن سبقه.
وفى مقابل ما سبق، ظهرت حركات جهادية كثيرة في مواطن متفرقة من العالم كان تكييفها الشرعي من حيث الإطار العام -بعيدا عن التفاصيل-أنها حركات جهاد مشروع، ومقاومة شرعية للمحتل، وقد اكتسبت هذه الشرعية من:-
أولا: تمايز الصفوف، حيث أنها توجه ضد كفار معلنين بكفرهم كالشيوعيين في أفغانستان والشيشان، والصليبيين في البوسنة، والهندوس في كشمير، وقبل ذلك اليهود في الشام، وأخيرا الاحتلال الأمريكي البريطاني في العراق."
لا خلاف في وجوب التحاق المسلم الذي يقيم في أحد هذه البلاد التي داهمها العدو المستعلن بكفره بحركات الجهاد هناك
"
ثانيا: لغلبة الظن بحدوث المصلحة واندفاع المفسدة.
ومن أجل ذلك حصلت هذه الحركات الجهادية على دعم وتأييد معظم العلماء المعاصرين على اختلاف توجهاتهم، وفتاوى كبار العلماء السلفيين المعاصرين كالشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيميين، والشيخ الألباني -رحمهم الله تعالى-في دعم الجهاد الأفغاني والشيشاني، وغيرهما من صور الجهاد معلومة مشهورة، وكذلك معلوم موقف الشيخ القرضاوي وسائر الدعاة المحسوبين على فكر الإخوان المسلمين، وكذلك الفتاوى الرسمية من مصر من الأزهر بدعم الجهاد الأفغاني في حقبة الثمانينات، ودعم الجهاد الفلسطيني، وبل ودعم حزب الله الشيعي في مواجهاته الأخيرة مع إسرائيل، رغم الخلاف المذهبي مع الشيعة، والخلاف السياسي مع إيران الدولة الحاضنة لحزب الله، وكذلك وصف المقاومة العراقية بالجهاد، كما صدرت بذلك فتوى شيخ الأزهر والمفتي إبان الغزو الأمريكي للعراق.
وهذا كله مما أشعر الأمة بالتكامل، وأن طوائف منها تقوم بتلك الفريضة، ولم يعد الجهاد فريضة غائبة كما كان يراها البعض، وهذا بلا شك كان له أثر في انعدام، أو على الأقل انحسار الحركات الطائشة في بلاد المسلمين، والتي كان البعض يراها جهادا.
¥