والقول الأول قوي وهو أن تلك الأموال تملك بعد التوبة وتطيب له ويصير كمن لم يتعامل بمحرم لأن التوبة تهدم ما كان قبلها، وهذا عام في باب العبادات والمعاملات، ومن أقوى ما يدعم هذا القول قوله تعالى: ((فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ)) وهذا عام في كل من جاءته موعظة من ربه فيشمل المسلم والكافر، وإن كانت الآية نزلت في الكفار فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو دليل قوي ولم أجد جواباً سليماً عنه لولا ما يعكر صفو الاستدلال به حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (44). وهذا النص عام في العبادات والمعاملات فكل ما وقع منهما على خلاف الشرع يجب رده وإبطاله، والعقود المقبوضة بهذه الحال يجب ردها وإبطالها؛ لدخولها تحت هذا الحديث، كما قال الخطابي وابن حزم (45) وغيرهم من أهل العلم.

وقد يقال في المسألة: أنه إن كان المال المحرم موجوداً عنده ومعلوماً قدره ومتميزاً ولم يختلط بغيره، ويمكن إخراجه كأن يكون العقد قريباً فإنه يخرجه ويتصدق به، وإن لم يكن المال موجوداً بعينه أو اختلط بغيره، ولم يستطع تمييزه، أولم يعلم مقداره لطول الأمد عليه ونحوه فإنه يعفى عنه، وله ما سلف، ويمكن حمل رأيي شيخ الإسلام على هذا التفصيل، وهو قول فيه جمع أو تقريب بين القولين.

وأما في الربا، فهل يرد المال على من أربى عليه أو لا؟ فهذا فيه تفصيل أيضاً: إن كان من أربى عليه ممن يحتال على الناس بإجراء العقود الربوية معهم لينتفع بقروضهم ثم يطالب بعد ذلك بالفوائد، أو كان من أربى عليه معروفاً عنه التعامل بالربا فهذا لا يرد إليه الربا، ولكن يتصدق به كما لا يرد على الزاني ومعاملة له بنقيض قصده، وإن لم يكن المقترض معروفاً عنه التعامل بالربا فإنه يرد المال على من أربى عليه؛ لأنه في الواقع رضي بالربا للحاجة إليه.

وعليه فإذا كانت المعاملة بين بنك ربوي وعميل فلا يخلو من حالين:

الحال الأول: أن يكون العميل هو المقترض، والبنك هو المقرض بفائدة فإذا تاب البنك رد الفائدة على العميل؛ لأن الغالب أن العميل إنما يقترض للحاجة وبدون رضاه، فإن علم أنه يقصد منه التحايل لم يرد المال عليه وإنما يتصدق البنك به.

الحال الثانية: أن يكون العميل هو المقرض بفائدة، والبنك الربوي هو المقترض، فإذا تاب العميل فإنه يتخلص من المال الربوي ولا يرده إلى البنك لئلا يُجمع للبنك بين العوض والمعوض، أي: القرض زائد الفائدة إذا ردت إليه، كما لا يرد مهر البغي على الزاني.

وأما الأموال المغصوبة، وما قبض بغير رضى صاحبه: كالمغصوب والمسروق والمنهوب فلا شك بأنه يجب رده إلى صاحبه، ولا يملكه بقبضه، فإن تعذر رده إلى صاحبه أو إلى ورثته تصدق به عنه كما قرر ذلك ابن القيم. وأما ما قبض برضى صاحبه بعقد محرم كالمقبوض بربا ثم تاب قابضه، فلشيخ الإسلام قولان: الأول: أنه يملك المال بعد التوبة، والثاني: لايملكه، ثم تردد قوله بعد ذلك، فقال مرة يجب التصدق به، وقال مرة يرده على صاحبه، وهذا مالا يصلح القول به في البنوك، والله تعالى أعلم.

وفي الختام أقدم شكري لكل من أبدى لي ملاحظاته من المشايخ وطلبة العلم، وكل من ناقشني في هذا الموضوع؛ ليثري العلم، ويوسع البحث بما يفيد، وأسأل الله عز وجل أن يدلنا للخير، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

طور بواسطة نورين ميديا © 2015