فإن قال:قد تعذر رد المنفعة التي استوفيتها منه قيل له: فلا يجمع لك بين ما استمتعت به من منفعته وبين العوض الذي بذلته فيها، فإن قال: أنا بذلت ما لا يجوز بذله وهو أخذ ما لا يجوز أخذه، قيل: وهو بذل لك من منفعته ما لا يجوز له بذله، واستوفيت أنت ما لا يجوز استيفاؤه، فكلاكما سواء، فما الموجب لرجوعك عليه و لا يفوت عليك شيء، وتفوت المنفعة عليه وكلاكما راض بما بذل مستوف لعوضه؟

فإن قال: ما بذلته أنا عين يمكن الرجوع فيها فيجب ردها، وما بذله منفعة لا يمكن الرجوع فيها إذا أمكن الرجوع في مُعوَّضها الذي بُذلت في مقابلته، أو إذا لم يمكن، الأول: مسلَّم والثاني هو محل النزاع فكيف يجعل مقدمته من مقدمات الدليل؟ وقياسه على المقبوض عوضاً عن الخمر والميتة لا يصح كما عرف الفرق بينهما.

على أنا لا نسلم أن مشتري الخمر إذا أقبض ثمنها وشربها ثم طلب أن يعاد إليه المال أن يقضى له به بل الأوجه ألا يرد إليه الثمن (39)، ولا يباح للبائع أيضاً، لا سيما ونحن نعاقب الخمار يبيع الخمر بأن يحرق الحانوت التي يباع فيها نص عليه أحمد وغيره من العلماء (40) انتهى كلام شيخ الإسلام وابن القيم في هذه المسألة.

وما ذكرته هو المذكور في كتبهم، ولا أزعم أني أحطت بها، ولكن هذا الذي وقفت عليه، ولم يبق بعد ذلك إلا تمحيص هذه الأقوال وتوجيهها إن أمكن، والموازنة بينها.

النتيجة والموازنة:

بعد هذه الجولة المفصلة في بيان رأي شيخ الإسلام يحسن بيان بعض النتائج التي توصلت إليها، وهي نتائج اجتهادية قابلة للنقاش والنظر، يمكن تلخيصها بما يلي:

أولاً: ظهر مما سبق أن لشيخ الإسلام قولين في المسألة، وليس قولاً واحداً.

ثانياً: أن كلام شيخ الإسلام مُشكِل في بعض المواضع، وفي مواضع أخرى لم يجزم برأيه، وقد مال في موضعين بتمليكه تلك الأموال بعد التوبة، وأكثر المواطن أنه يوجب صرفها في مصالح المسلمين، ولا يملكها بالتوبة. والظاهر أن القول بتمليك تلك الأموال بعد التوبة هو آخر قوليه لانتباهه إلى ما يترتب على القول بخلافه من تنفير وضرر، ولأن كتابه (تفسير آيات أشكلت) يعتبر من أواخر ما ألفه شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه قد ألفه في سجن القلعة بدمشق كما يفهم هذا من كلام ابن عبد الهادي في العقود الدرية (41).

ثالثاً: لم أجد نصاً صريحاً من كلامه يوجب رد مهر البغي وثمن الخمر واللواط وأجرة النوح على أصحابها بل كلامه واضح وصريح في أنه لايرد إليهم حتى لا يجمع لهم بين العوض والمعوض.

أما في المرابي التائب: فقد نقلنا كلامه في القول الثاني أنه يرده إلى من أربى عليه إن أمكن وإلا تصدق به عنه، ولكن قد يقاس مال المرابي على مهر البغي واللواط وحلوان الكاهن ونحوهم في منع رده إلى صاحبه، وذلك لأن العلة التي من أجلها منع شيخ الإسلام رد العوض على الزاني واللائط ومستمع الغناء ونحوهم- وهي ألا يجمع له بين العوض والمعوض- قد توجد-أي العلة- في عقود الربا؛ وذلك مثل أن يقترض رجل من آخر بفائدة ربوية ثم ينتفع بهذا القرض، ثم بعد ذلك يطالب المقترض المقرضَ ما قبضه من الربا، وكان قبل ذلك قد انتفع بالقرض فإذا رُدَّت إليه الفائدة فقد جمع بين العوض والمعوض أي بين رأس المال (القرض) والفائدة كما جمع الزاني بين الزنا وعوض الزنا إذا رد إليه؛ لذا قال شيخ الإسلام: (وأيضاً ففي رده-أي الربا- عليه- أي على المقترض- تسليط لمن يحتال على الناس بأن يأخذها-أي أموالهم- بعقود ربوية فينتفع بها ثم يطالبهم بما قبضوه – أي منه من الربا- وقد انتفع برأس ماله-أي مال غيره- مدة بغير رضاهم فإنهم لم يعطوه قرضاً) (42).

رابعاً: ما الراجح من هذه الأقوال؟ وهذا سؤال متوقع بعد هذه الجولة الطويلة، ولئن كان المقصود من البحث هو تحرير رأي شيخ الإسلام في المسألة فقط (43) فإنه لا مانع من بيان الراجح في نظر الباحث – وهو خلاصة دراسة مسبقة في غير هذا الموضع- فأقول -والله أعلم- إن الجواب فيه تفصيل:

أما من حيث رد مهر البغي إلى الزاني، وأجرة الغناء إلى المستمع ... فهو قول ضعيف، والصواب كما قاله شيخ الإسلام وابن القيم أنه لا يُرد العوض إلى أمثال هؤلاء حتى لا يُجمع لهم بين العوض والمعوض، أما هل يملك هذا المال بعد التوبة؟ فهو محل اجتهاد ونظر،

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015