نقله عنه تلميذه ابن القيم فقال: (فإن قيل: فما تقولون فيمن سُلِّم إليهم المنفعة المحرمة التي استأجروه عليها كالغناء والنوح والزنى واللواط؟ قيل: إن كان لم يقبض منهم العوض لم يُقضَ له به باتفاق الأمة، وإن كان قد قبض لم يطب له أكله، ولم يملكه بذلك، والجمهور يقولون يرده عليهم لأنه قبضه قبضاً فاسداً، وهذا فيه روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد؛ إحداهما أنه يرده عليهم، والثانية لا يأكله ولا يرده بل يتصدق به، قال شيخنا: وأصح الروايتين أنه لا يرده عليهم ولا يباح للأخذ، ويصرف في مصالح المسلمين كما نص عليه أحمد في أجرة حمال الخمر) (34).
فهنا كلام صريح بأنه إذا قبض العوض المحرم أنه لا يطيب له ولم يملكه بالقبض.
وقال في موضع آخر: (فصل المسألة الثانية إذا عاوض غيره معاوضة محرمة، وقبض العوض كالزانية والمغني وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم، ثم تاب والعوض بيده، فقالت طائفة: يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله، ولم يقبضه بإذن الشارع، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح، وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أصوب القولين) (35)
وقال في موضع ثالث: (فإن قيل: فما تقولون في كسب الزانية إذا قبضته، ثم تابت، هل يجب عليها رد ما قبضته إلى أربابه، أم يطيب لها، أم تتصد ق به؟
قيل: هذا ينبني على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهي أن من قبض ما ليس له قبضه شرعاً، ثم أراد التخلص منه، فإن كان المقبوض قد أخذ بغير رضى صاحبه، ولا استوفى عوضه، رده عليه. فإن تعذر رده عليه، قضى به ديناً يعلمه عليه، فإن تعذر ذلك، رده إلى ورثته، فإن تعذر ذلك، تصدق به عنه، فإن اختار صاحب الحق ثوابه يوم القيامة، كان له، وإن أبى إلا أن يأخذ من حسنات القابض، استوفى منه نظير ماله، وكان ثواب الصدقة للمتصدق بها، كما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم.
وإن كان المقبوض برضى الدافع وقد استوفى عوضه المحرم، كمن عاوض على خمر أو خنزير، أو على زنا أو فاحشة، فهذا لا يجب رد العوض على الدافع؛ لأنه أخرجه باختياره، واستوفى عوضه المحرم، فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان، وتيسير أصحاب المعاصي له (36).
وأما قول أصحاب القول الأول إن هذا مال محرم فيقاس على المقبوض بعقد فاسد إذ حكمه وجوب رده إلى صاحبه.
فنوقش: أن المقبوض بعقد فاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه، كما في تقابض الربا عند من يقول المقبوض بعقد فاسد لا يملك كما هو معروف في المذهب الشافعي وأحمد، فأما إذا تلف المقبوض عند القابض وتعذر رده، فإنه لا يستحق استرجاع عوضه مطلقاً، ويجمع له بين العوض والمعوض فإن الزاني واللائط ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفوا العوض المحرم، والتحريم الذي فيه ليس لحقهم، وإنما هو لحق الله تعالى، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال، وهذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته وأخذ عوضها جميعاً منه، بخلاف ما لو كان العوض خمراً أو ميتة، فإن ذلك لا ضرر عليه في فواته فإنها لو كانت باقية أتلفناها عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه بحيث كان يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر، أعني من صرف القوة التي عمل بها (37).
فإن قيل: فيلزمكم على هذا أن تقضوا له بها إذا طالب بقبضها، قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها كعقود الكفار المحرمة، فإنهم إذا أسلموا قبل القبض لم نحكم بالقبض، لكن المسلم تحرم عليه هذه الأجرة؛ لأنه كان معتقداً لتحريمها بخلاف الكافر؛ و ذلك لأنه إذا طلب الأجرة قلنا له أنت فرطت حيث صرفت قوتك في عمل محرم فلا يقضى له بالأجرة.
فإذا قبضها ثم قال الدافع هذا المال اقضوا لي برده، فإنما أقبضته إياه عوضاً عن منفعة محرمة، قلنا له أنت دفعته بمعاوضة رضيت بها، فإذا طلبت استرجاع ما أخذ منك فاردد إليه ما أخذته منه إذا كان له في بقائه معه منفعة، فهذا ومثله يتوجه فيما يقبض من ثمن الميتة والخمر (38).
¥