ومن هنا يظهر أن بين الموضعين إشكالاً يحتاج التفريق بينهما إلى ضابط ظاهر، على أن شيخ الإسلام نفسه ذكر في (تفسير آيات أشكلت) حكم مهر البغي ... بعد أن قرر أن التائب يملك المال المحرم فقال: (قد يقال: لا يكون (28) لواحد منهما، كما لو كان ثمن خمر، أو مهر بغي أو حلوان كاهن، فإن هذا إذا تاب لايعيده إلى صاحبه، بل يتصدق به في أظهر قولي العلماء) (29).
ثم عاد بعد ذلك مخالفاً لكلامه هذا فقال: (وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر، فإنه قد يقال: طَرْدُ هذا أن من اكتسب مالاً من ثمن خمر مع علمه بالتحريم، فله ما سلف، وكذلك كل من كسب مالاً محرماً، ثم تاب إذا كان برضا الدافع، ويلزم مثل ذلك في مهر البغي، وحلوان الكاهن، وهذا ليس ببعيد عن أصول الشريعة، فإنها تفرق بين التائب وغير التائب ... ) (30).
الموضع الثاني:
في اقتضاء الصراط المستقيم: قال (نعم، البغي والمغني والنائحة ونحوهم إذا أعطوا أجورهم، ثم تابوا، هل يتصدقون بها أو يجب أن يردوها على من أعطاهموها؟ فيها قولان: أصحهما أنا لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة، ولا يباح الأخذ بل يتصدق بها وتصرف في مصالح المسلمين كما نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر) (31). فهنا أفتى بالتصدق به ولم يفت بملكيته بعد توبتهم.
الموضع الثالث:
في مجموع الفتاوى قال: ( ... كما لو تراضيا بمهر البغي، وهناك يتصدق به على أصح القولين لا يعطى للزاني، وكذلك في الخمر ونحو ذلك مما أخذ صاحبه منفعة محرمة فلا يجمع له العوض والمعوض، فإن ذلك أعظم إثماً من بيعه، وإذا كان لا يحل أن يباع الخمر بالثمن فكيف إذا أُعطي الخمر وأعطي الثمن، وإذا كان لا يحل للزاني أن يزني وإن أعطى فكيف إذا أعطي المال والزنا جميعاً، بل يجب إخراج هذا المال كسائر أموال المصالح المشتركة، فكذلك هنا إذا كان قد باع السلعة وقت النداء بربح وأخذ سلعته فإن فاتت تصدق بالربح، ولم يعطه للمشتري فيكون أعانه على الشراء، والمشتري يأخذ ثمنه ويعيد السلعة، فإن باعها بربح تصدق به، ولم يعطه للبائع فيكون قد جمع له بين ربحين) (32) وهنا أمر بإخراج هذا المال المحرم ولم يفت بملكيته بعد التوبة.
الموضع الرابع:
في مجموع الفتاوى (سئل رحمه الله تعالى عن خياط خاط للنصارى سير حرير فيه صليب ذهب فهل عليه إثم في خياطته وهل تكون أجرته حلالا أم لا؟
فأجاب: نعم إذا أعان الرجل على معصية الله كان آثما لأنه أعان على الإثم والعدوان، ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وساقيها وشاربها وآكل ثمنها)، وأكثر هؤلاء كالعاصر والحامل والساقي إنما هم يعاونون على شربها، ولهذا ينهى عن بيع السلاح لمن يقاتل به قتالا محرما كقتال المسلمين والقتال في الفتنة، فإذا كان هذا في الإعانة على المعاصي فكيف بالإعانة على الكفر وشعائر الكفر، والصليب لا يجوز عمله بأجرة ولا غير أجرة ولا بيعه صليبا، كما لا يجوز بيع الأصنام ولا عملها، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)،وثبت عنه أنه لعن المصورين، وأنه كان لا يرى في البيت صورة إلا قضبها، فصانع الصليب ملعون لعنه الله ورسوله.
ومن أخذ عوضا عن عين محرمة، أو نفع استوفاه، مثل أجرة حمال الخمر، وأجرة صانع الصليب، وأجرة البغي ونحو ذلك، فليتصدق بها، وليتب من ذلك العمل المحرم، وتكون صدقته بالعوض كفارة لما فعله فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه عوض خبيث ولا يعاد إلى صاحبه؛ لأنه قد استوفى العوض ويتصدق به، كما نص على ذلك من نص من العلماء، كما نص عليه الإمام أحمد في مثل حامل الخمر، ونص عليه أصحاب مالك وغيرهم (33)). فهذه الفتوى صريحة في أن شيخ الإسلام يقضي في المحرم لكسبه بأنه عوض خبيث، وأنه يجب التوبة من ذلك العمل والتصدق به، وأنه لا يعاد إلى صاحبه.
الموضع الخامس:
¥