وقال: (وما تصدق به فإنه يصرف في مصالح المسلمين: فيعطى منه من يستحق الزكاة، ويقرى منه الضيف، ويعان فيه الحاج، وينفق في الجهاد وفي أبواب البر التي يحبها الله ورسوله كما يفعل بسائر الأموال المجهولة، وهكذا يفعل من تاب من الحرام وبيده الحرام لا يعرف مالكه) (22).
وقال: (المال الذي لا نعرف مالكه يسقط عنا وجوب رده، فيصرف في مصالح المسلمين، والصدقة من أعظم مصالح المسلمين، وهذا أصل عام في كل مال يجهل مالكه بحيث يتعذر رده إليه كالمغصوب والعواري والودائع يتصدق بها عن صاحبها أو يصرفها في مصالح المسلمين على مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وإذا صرفت على هذا الوجه جاز للفقير أخذها؛ لأن المعطي هنا إنما يعطيها نيابة عن صاحبها) (23).
ومن خلال كلام شيخ الإسلام السابق نفهم أنه يقسم المال الحرام والمقبوض بعقد فاسد بالنسبة للتائب إلى قسمين:
القسم الأول: المال المحرم الذي تعذر رده إلى صاحبه كالذي لا يعرف مالكه، فهذا يتصدق به أو يصرفه في مصالح المسلمين، ولا يتملكه حتى المرابي التائب.
القسم الثاني: المال المحرم الذي أمكن رده إلى صاحبه فهذا يجب رده إلى مالكه، ولا يملكه بحال وكذلك يسترد هو عوضه إن كان ثم معاوضة بينهما.
القول الثاني: أنه لا يملكه ولا يرده إلى مالكه ولو أمكن رده إليه، ولكن يجب عليه أن يتخلص منه بأن يتصدق به أو يصرفه في مصالح المسلمين، فالفرق بين القولين في رده إلى مالكه ففي القول الأول أوجب على التائب رده على صاحبه إن أمكن، وفي القول الثاني منع رده إلى صاحبه ولو أمكنه ذلك، وأوجب التخلص منه مباشرة بالتصدق.
وهذا القول-أعني به القول الثالث- إنما قضى به شيخ الإسلام وكذا تلميذه ابن القيم في كل من أخذ عوضاً محرماً عن عين محرمة أو نفع محرم استوفاه كما في مهر البغي إذا تابت، والمغني والمغنية التائبة، وثمن الخمر وأجرة النوح واللواط وحلوان الكاهن إذا تاب هؤلاء فإنهما أفتيا بالتخلص منه بعد التوبة، ولا يملك ولا يرد إلى من أخذت منه؛ لمأخذ جميل يأتي ذكره في معرض كلامهما.
والقاعدة عند شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم في هذه المسألة أن (كل كسب خبيث لخبث عوضه عيناً كان أو منفعة يكون التخلص منه بالصدقة به) (24).
ويظهر هذا القول في مواضع من كلامه وفتاويه.
الموضع الأول: أنه سئل -رحمه الله- عن امرأة كانت مغنية، واكتسبت في جهلها مالاً كثيراً وقد تابت وحجت إلى بيت الله تعالى، وهي محافظة على طاعة الله، فهل المال الذي اكتسبته من حل وغيره إذا أكلت وتصدقت منه تؤجر عليه؟
فأجاب: المال المكسوب إن كانت عين أو منفعة (25) مباحة في نفسها، وإنما حرمت بالقصد مثل من يبيع عنباً لمن يتخذه خمراً، أو من يستأجر لعصر الخمر أو حملها، فهذا يفعله بالعوض لكن لا يطيب له أكله، وأما إن كانت العين أو المنفعة محرمة كمهر البغي وثمن الخمر، فهنا لا يقضى له به قبل القبض، ولو أعطاه إياه لم يُحكم برده؛ فإن هذا معونة لهم على المعاصي إذا جمع لهم بين العوض والمعوض، ولا يحل هذا المال للبغي والخمار ونحوهما، لكن يصرف في مصالح المسلمين، فإن تابت هذه البغي وهذا الخمار، وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم، فإن كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل أعطي ما يكون له رأس مال، وإن اقترضوا منه شيئاً ليكتسبوا به ولم يردوا عوض القرض كان أحسن، وأما إذا تصدق به لاعتقاده أنه يحل عليه أن يتصدق به فهذا يثاب على ذلك، وأما إن تصدق به كما يتصدق المالك بملكه فهذا لا يقبله الله؛ إن الله لا يقبل إلا الطيب، فهذا خبيث، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مهر البغي خبيث)) (26)) (27)
فهنا يلاحظ أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يفتِ بملكية هذا المال الخبيث مع كونها قد تابت وحافظت على حدود الله، بل قال: (ولا يحل هذا المال للبغي والخمار ونحوهما، لكن يصرف في مصالح المسلمين) وسبق بيان رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في القول الأول أن من تاب على أموال محرمة قبضها في حال الفسق أنه يملكها.
¥