لا يصلي ولا يزكي وقد لا يصوم أيضا ولا يبالي من أين كسب المال أمن حلال أم من حرام ولا يضبط حدود النكاح والطلاق وغير ذلك فهو في جاهلية إلا أنه منتسب إلى الإسلام، فإذا هداه الله وتاب عليه فإن أُوجب عليه قضاء جميع ما تركه من الواجبات وأُمر برد جميع ما اكتسبه من الأموال، والخروج عما يحبه من الأبضاع إلى غير ذلك صارت التوبة في حقه عذاباً، وكان الكفر حينئذ أحب إليه من ذلك الإسلام الذي كان عليه؛ فإن توبته من الكفر رحمة وتوبته وهو مسلم عذاب، وأعرف طائفة من الصالحين من يتمنى أن يكون كافراً ليسلم فيُغفر له ما قد سلف؛ لأن التوبة عنده متعذرة عليه أو متعسرة على ما قد قيل له واعتقده من التوبة، ثم هذا منفر لأكثر أهل الفسوق عن التوبة، وهو شبيه بالمؤيِّس للناس من رحمة الله ووضع الآصار ثقيلة والأغلال عظيمة على التائبين الذين هم أحباب الله فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، والله أفرح بتوبة عبده من الواجد لماله الذي به قوامه بعد اليأس منه، فينبغي لهذا المقام أن يحرر فإن كفر الكافر لم يسقط عنه ما تركه من الواجبات وما فعله من المحرمات لكون الكافر كان معذوراً بمنزلة المجتهد فإنه لا يعذر بلا خلاف، وإنما غفر له لأن الإسلام توبة، والتوبة تجب ما قبلها والتوبة توبة من ترْك تصديق وإقرار وترْك عمل وفعل، فيشبه -والله أعلم- أن يُجعل حال هؤلاء في جاهليتهم كحال غيرهم) (16).

وعلى رأي شيخ الإسلام في هذا القول فإنه ينسحب على كل تائب كالمغني والمغنية والبغي والنائحة والمرابي وغير ذلك كل هؤلاء بعد التوبة تحل لهم أموالهم المقبوضة بعقود فاسدة وهذا الرأي يخالف رأيه الثالث الذي يأتي بيانه بعد قليل.

القول الثاني:

أنه لا يملك المال الحرام والمقبوض بعقد فاسد.

واختلف قول الشيخ هنا في حكم المال بعد ذلك على قولين:

القول الأول: أنه يجب رده إلى صاحبه فيرد الربا على من أربى عليه ويجب على كلا الطرفين رد ما أخذه فيرد المشتري السلعة، ويرد البائع الثمن، فإن لم يستطع رد المقبوض تخلص منه بأن يتصدق به ويصرفه في مصالح المسلمين، وهذ الرأي لشيخ الإسلام وقفت عليه في أكثر من موضع وإليك كلامه في هذا:

الموضع الأول: قال في اقتضاء الصراط المستقيم: (المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه) (17) ولم يفرق بين التائب وغيره.

الموضع الثاني: قال في مجموع الفتاوى: (والواجب رد المال المقبوض بالمعاملة الربوية الفاسدة إن كان باقياً، وإن كان فانياً رد مثله ولا يستحق الدافع أكثر من ذلك ... ) (18).

الموضع الثالث: وقال أيضاً في مجموع الفتاوى عن العقود والقبوض المحرمة كالربا والميسر ونحو ذلك: (والواجب على من حصلت هذه بيده ردها إلى مستحقها، فإذا تعذر ذلك فالمجهول كالمعدوم) (19) ولم يفرق أيضاً بين التائب وغيره.

الموضع الرابع: وهو أصرح المواضع حيث قال في المرابي التائب إنه يرد الربا على من أربى عليه أي إلى صاحبه فقال: (الأموال التي تعذر ردها إلى أهلها لعدم العلم بهم مثلاً، هي مما يصرف في مصالح المسلمين عند أكثر العلماء، وكذلك من كان عنده مال لا يعرف صاحبه كالغاصب التائب والمرابي التائب ونحوهم ممن صار بيده مال لا يملكه ولا يعرف صاحبه فإنه يصرف إلى ذوي الحاجات ومصالح المسلمين) (20) فنلاحظ هنا أنه لم يقض للتائب بملكية ما سلف من الأموال كما في القول السابق، وإنما ألحقها بالأموال المغصوبة بل قال: (هذا عند أكثر العلماء) (21) ولم يفرق بين ما كان بإذن صاحبه أو كان بغير إذنه، وعلى قوله هذا فإن من أخذ من البنك أرباحاً ربوية، فإنه إذا تاب يجب أن يرد تلك الأرباح على البنك الربوي ما دام أنه يعرفه، ويمكن الرد إليه، ولكن هذا يخالف ما قرره الشيخ من منع رد المال لأمثال هؤلاء كالزاني واللائط ومستمع الغناء ... فإنه قرر أنه لا يرد إليهم المال لئلا يجمع لهم بين العوض والمعوض، فإن البنك هنا يستفيد بهذا الرد –لو قيل به- القرض ثم الفائدة إذا ردت عليه، فجمع بين الأمرين، وهذا مالا يقول به شيخ الإسلام.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015