ثم قال مبيناً صعوبة هذه المسألة ودقتها (وهذه المسألة تحتاج إلى نظر وتحقيق، وأما الذي لا ريب فيه عندنا فهو ما قبضه بتأويل أو جهل فهنا له ما سلف بلا ريب كما دل عليه الكتاب والسنة والاعتبار وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر، فإنه قد يقال: طردُ هذا أن من اكتسب مالاً من ثمن خمر مع علمه بالتحريم، فله ما سلف، وكذلك كل من كسب مالاً محرما، ثم تاب إذا كان برضا الدافع، ويلزم مثل ذلك في مهر البغي، وحلوان الكاهن، وهذا ليس ببعيد عن أصول الشريعة، فإنها تفرق بين التائب وغير التائب ... ) (12) فيلاحظ من كلامه هنا أنه لم يجزم في هذه المسألة، وعبّر عنها بـ (قد يقال)، وأن (المسألة تحتاج إلى نظر وتدقيق) ثم قال: (وأما الربا فإنه قبض برضا صاحبه والله سبحانه يقول: ((فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ)) ولم يقل فمن أسلم ولا من تبين له التحريم بل قال: ((فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ)) والموعظة تكون لمن علم التحريم أعظم مما تكون لمن لم يعلمه قال الله تعالى: ((يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين)) وقال: ((أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا))

وأما المقطع الثاني من كلامه في مجموع الفتاوى فأسوق للقارئ ما يبين رأيه في هذا الموضع إذ يقول: (فصل: ولكن النظر في فصلين: أحدهما من ترك الواجب أو فعل المحرم لا باعتقاد ولا بجهل يعذر فيه ولكن جهلا وإعراضا عن طلب العلم الواجب عليه مع تمكنه منه أو أنه سمع إيجاب هذا وتحريم هذا ولم يلتزمه إعراضا لا كفرا بالرسالة فهذان نوعان يقعان كثيراً من ترك طلب العلم الواجب عليه حتى ترك الواجب وفعل المحرم غير عالم بوجوبه وتحريمه أو بلغه الخطاب في ذلك ولم يلتزم إتباعه تعصباً لمذهبه أو إتباعاً لهواه فإن هذا ترك الاعتقاد الواجب بغير عذر شرعي كما ترك الكافر الإسلام فإن الاعتقاد هو الإقرار بالتصديق والالتزام فقد يترك التصديق والالتزام جميعاً لعدم النظر الموجب للتصديق وقد يكون مصدقاً بقلبه لكنه غير مقر ولا ملتزم إتباعاً لهواه فهل يكون حال هذا إذا تاب وأقر بالوجوب والتحريم تصديقاً والتزاماً بمنزلة الكافر إذا أسلم لأن التوبة تجب قبلها كما إن الإسلام يجب ما قبله فهذه الصورة أبعد من التي قبلها (13) فإن من أوجب القضاء على التارك المتأول وفسخ العقد والقبض على المتأول المعذور فعلى هذا المذنب بترك الاعتقاد الواجب أولى، وأما على القول الذي قررناه وجزمنا بصحته (14) فهذا فيه نظر، قد يقال هذا عاص ظالم بترك التعلم والالتزام فلا يلزم من العفو عن المخطئ في تأويله العفو عن هذا وقد يقال وهو أظهر في الدليل والقياس ليس هذا بأسوأ حالاً من الكافر المعاند الذي ترك استماع القرآن كبراً وحسداً وهوى أو سمعه وتدبره واستيقنت نفسه أنه حق من عند الله ولكن جحد ذلك ظلماً وعلواً كحال فرعون وأكثر أهل الكتاب والمشركين الذين لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون والتوبة كالإسلام فإن الذي قال الإسلام يهدم ما كان قبله هو الذي قال التوبة تهدم ما كان قبلها وذلك في حديث واحد من رواية عمرو بن العاص رواه أحمد ومسلم، فإذا كان العفو عن الكافر لأجل ما وجد من الإسلام الماحي والحسنات يذهبن السيئات، ولأن في عدم العفو تنفيره عن الدخول؛ لما يلزم الداخل فيه من الآصار والأغلال الموضوعة على لسان هذا النبي، فهذا المعنى موجود في التوبة عن الجهل والظلم، فان الاعتراف بالحق والرجوع إليه حسنة يمحو الله بها السيئات، وفى عدم العفو تنفير عظيم عن التوبة وآصار ثقيلة وأغلال عظيمة على التائبين، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبى ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يبدل لعبده التائب بدل كل سيئة حسنة، على ظاهر قوله (يبدل الله سيئاتهم حسنات)، فإذا كانت تلك التي تاب منها صارت حسنات لم يبق في حقه بعد التوبة سيئة أصلا، فيصير ذلك القبض والعقد من باب المعفو عنه، ويصير ذلك الترك من باب المعفو عنه فلا يُجعل تاركا لواجب ولا فاعلا لمحرم، وبهذا يحصل الجمع بين الأدلة الشرعية فان النبي صلى الله عليه وسلم قال (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ... ) (15) إلى أن قال: (فإن الرجل قد يعيش مدة طويلة

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015