والتقدير عند ذوي الشأن وطلاب العلم وسائر المؤمنين.
ومن خلال التتبع والبحث وجدت أن الخلاف الواقع بين أوساط طلاب العلم في بيان رأي شيخ الإسلام راجع في الغالب إلى الاعتماد على موضع واحد من كلامه.
والمنهج العلمي الصحيح لاستخراج آراء العالم في المسائل المشكلة إنما يكون باستقصاء كلامه في عامة كتبه، وبهذه الطريق يمكن لطالب العلم أن يصل إلى رأي العالم، مما قد يقف من خلاله إلى أكثر من رأي، وهذا طبعي حصوله من العلماء، خاصة من مثل هذا العالم الذي حاز لقب شيخ الإسلام على مر التاريخ؛ لفضله وجهاده وغزارة علمه وكثرة كتبه والظروف والأحوال التي مر بها.
ولما رأيت كثرة النقاش حول رأي شيخ الإسلام في هذه المسألة حاولت جهدي أن أحقق القول في بيان رأيه عن طريق تتبع كلامه في عامة ما كتبه حول هذا الموضوع في (مجموع الفتاوى) و (اقتضاء الصراط المستقيم)، وما نقله عنه تلميذه ابن القيم في (زاد المعاد) و (أحكام أهل الذمة) و (مدارج السالكين)، ثم بعد ذلك تلخيص آراءه وإثبات ذلك الرأي من كلامه بالجزء والصفحة.
وبعد التتبع لما كتبه في كل ما يمت إلى الموضوع بالصلة وجدت أن له قولين في المسألة، وحرصت أن أضع القارئ الكريم على أقوال الشيخ مجموعة بين يديه ليقارن بنفسه، وإليك بيانها بالتفصيل.
القول الأول:
أن الأموال المحرمة والقبوض الفاسدة وخاصة الربوية تملك بعد التوبة، ويقر عليها صاحبها، وتنقلب له حلالاً حتى لو كان عين المال المحرم باقياً وبيده بعد التوبة، فإنه يطيب له أيضاً، ولا يجب عليه رده لصاحبه، ولا التخلص منه، وهذا الرأي هو المشهور عن شيخ الإسلام في هذه المسألة، ومن نَسَبَ إليه هذا القول إنما اعتمد في ذلك على ما ذكره في كتابه (تفسير آيات أشكلت) (2) وأول المجلد (الثاني والعشرين من مجموع الفتاوى) (3).
وإليك كلامه في الموضعين:
قال في (تفسير آيات أشكلت): (وأما المسلم فله ثلاثة أحوال: تارة يعتقد حل بعض الأنواع باجتهاد أو تقليد، وتارة يعامل بجهل، ولا يعلم أن ذلك رباً محرم، وتارة يقبض مع علمه بأن ذلك محرم) (4)، وهذا النوع الثالث هو الذي يخصُّنا ثم قال بعد ذلك بصفحات: (والكافر إذا قبضه لكونه قد تاب فالمسلم أولى بطريق الأولى، والقرآن يدل على هذا بقوله: ((فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ)) (5) وهذا عام في كل من جاءه موعظة من ربه فقد جعل الله له ما سلف، ويدل على أن ذلك ثابت في حق المسلم ما بعد هذا: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)) فأمرهم بترك ما بقي، ولم يأمرهم برد ما قبضوه، فدل على أنه لهم مع قوله: ((فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ))) (6) والله يقبل التوبة عن عباده، فإذا قيل: هذا مختص بالكافرين، قيل: ليس في القرآن ما يدل على ذلك، إنما قال: ((فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ)) (7) وهذا يتناول المسلم بطريق الأولى) (8) ثم قال بعد ذلك بصفحات – وهي أصرح مما سبق-: (بل قد يقال: إن هذا يتناول من كان يعلم التحريم إذا جاءته موعظة من ربه فانتهى، فإن الله يغفر لمن تاب بتوبته، فيكون ما مضى من الفعل وجوده كعدمه، والآية تتناوله ((فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ))) (9) ويدل على ذلك قوله بعد هذا ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ)) (10).والتوبة تتناول المسلم العاصي، كما تتناول الكافر ... وهذا وإن كان ملعوناً على ما أكله وأوكله، فإذا تاب غُفر له، ثم المقبوض قد يكون اتجر فيه وتقلب، وقد يكون أكله ولم يبق منه شيء، وقد يكون باقياً، فإن كان قد ذهب وجُعِل ديناً عليه كان في ذلك ضرر عظيم، وكان هذا منفراً عن التوبة ... وإن كان عين المال باقياً فهو لم يقبضه بغير اختيار صاحبه كالسارق والغاصب بل قبضه باتفاقهما ورضاهما بعقد من العقود، وهو لو كان كافراً ثم أسلم لم يرده، وقد قال تعالى: ((فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ)) (11)
¥