وإذا كانت الملائكةُ لا تدخل بيتاً فيه جرس، ولا تصحبُ رِفقةً فيها جَرس، فالمعَازف وآلات الطربِ واللهوِ التي هي أشد وأعظم كذلك.

* وقد عَدَّ الأمامُ محيي الدين ابن النحاس الشافعي سماع ذلك من الكبائر في كتابه تنبيه الغافلين في فصل ما اختارهُ جماعةٌ مِنَ العُلماءِ من الكبائر حيث قال: " ومنها سماعُ الأوتارِ والمعازف ".

* وقال أيضاً: " فصلٌ في ذكرِ شيءٍ مما يقعُ في النكاحِ، وبَعدَهُ من البدَعِ والمُنكراتِ: ومنها ما يفعله أهل ديار مصر ويُسَمُّونهُ الشطورَ: وهو بدعةٌ يشتملُ على جُملةٍ مِنَ المُنكراتِ ... وحضورِ الأغاني بالآلاتِ المُحرمة ".

* وقال أيضاً: " فصلٌ في ذكر بعضِ ما ابتُدعَ في المَواسِمِ والأعيادِ، قال ابن الحاج: ومِن جُملة ما أحدثوهُ مِن البدعِ – مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات – ما يفعلونهُ في المولد وقد احتوى ذلكَ على بِدعٍ ومُحرَّماتٍ منها: استعمَالُهم الأغاني وآلات الطرب وحُضور المردان والشَّبَّابَاتِ ... ". (111)

* وقد استحبَّ الإمام أحمد كسر آلات الطرب والمعازف إذا تأكد الإنسان من وجودها وقدرَ على كسرها.

سُئل الإمام أحمد: " عن الرجُلِ يَرى الطنبُورَ أو الطبلَ مُغطىً أيَكسِرْهُ؟ فقال: إذا كان يُثبتْهُ أن طنبُورٌ أو طَبلٌ كَسرَهُ ". (112)

* وبين الإمام أحمد أيضاً أن من كسر تلك الآلات فإنَّ لهُ فضلٌ ومأجور في ذلك، ولو آذاهُ السلطان بمكروه فإنه يغبِطه على ذلك.

ففي سؤالات الإمام أبي داوود قال: " سمعتُ أحمدَ سُئل عن الطنبُورِ أو الطبلِ أو نحو ذلكَ واجِبٌ تغييرُهُ؟ قال: " ما أدري ما واجبٌ، إن غَيَّرَ فَلَهُ فََضْلٌ " قيل لأحمد: فإن أصابَهُ مِن قِبَلِ السلطانُ في ذلكَ مكروهٌ ترجوا أنْ يؤجَرَ؟ فرأى لهُ فضلاً، تكَلَّمَ بشيءٍ كأنَّهُ يَغبطهُ ". (113)

فيا من اختار السماع الشيطاني من الأغاني وآلات اللهو المعازف وترك السماع الرحماني من القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين، لقد اخترت الفاني على الباقي، وفضلت الأدنى على الذي هو خير وأعلى. فيا لخسارتك في الدنيا والآخرة. واعلم أنه لا يجتمعُ في قلبِ المسلمِ حبُّ القرآنِ وحُبُّ الغِناءِ. واعلم أن في الجنة غناءً ليس كغِناء أهل الدنيا المحرم، كما أن فيها خَمراً ليس كخمر الدنيا، فإن أردت سماع غناء الحور في الجنة فَنَزِّهْ سَماعكَ عَن غِناءِ أهلِ الدنيا الذي هو سبب للفساد وهجرٌ للقرآنِ وبُعدٌ عَن ذكرِ اللهِ تعالى.

قال الإمام الحَبرُ أبو بكر ابن القيم رحمه الله في نونيته: (114)

نَزِّهْ سَمَاعَكَ إنْ أردتَّ سَمَاعَ ذيَّـ ... ـاكَ الغِنا عَن هذهِ الألحانِ

لا تُؤثِرِ الأدنى على الأعلى فتُحْـ ... ـرَمُ ذا وذا يَا ذِلَّةَ الحِرمَانِ

إنَّ اختيارَكَ للسَّمَاعِ النَّازِلِ الـ ... ـأدنى على الأعلى مِنَ النُّقصَانِ

واللهِ إنَّ سَمَاعَهُم في القلبِ والـ ... ـإيمَانِ مِثلَ السُّمِّ في الأبدَانِ

واللهِ ما انفَكَّ الذي هوَ دَأبُهُ ... أبداً مِنَ الإشراكِ بالرحمَنِ

فالقلبُ بيتُ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ ... حُبَّاً وإخلاصاً مَعَ الإحسَانِ

فإذا تَعلَّقَ بالسماعِ أصارَهُ ... عَبداً لكُلِّ فُلانَةٍ وفُلانِ

حُبُّ الكِتابِ وحُبّ ألحَانِ الغِنا ... في قَلبِ عَبدٍ ليسَ يجتمِعَانِ

ثَقُلَ الكِتابُ عَليهِمُ لمَّا رأوا ... تقييدهُ بشَرَائعِ الإيمانِ

واللهْو خّفَّ عَليهِمُ لمَّا رأوا ... ما فيهِ مِن طَربٍ ومِن ألحَانِ

قُوتُ النُّفُوسِ وإنَّمَا القُرآنُ قُـ ... ـوتُ القَلبِ أنَّى يَستوي القُوتَانِ

يا لذَّةَ الفُسَّاقِ لستِ كلذَّةِ ... الأبرارِ في عَقلٍ ولا قُرآنِ

أسأل الله تعالى أن يعصمَنا مِن الزلل، ويوفقنا لخير القول والعمل، ويثبت قلوبنا على دينه، وسنة نبيه (ص).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الحاشية

(1) معجم مقاييس اللغة للإمام أحمد بن فارس ج 4 ص 397 – 398

(2) تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي ج 3 ص 245

(3) الصحاح للإمام أبي نصر الجوهري ج 2 ص 1779

(4) غذاءُ الألبابِ شرح منظومة الآداب للإمام محمد السَّفَّارِيني ج 1 ص 157

(5) نُزهة الأسماع في مسألة السماع للإمام ابن رجب ص 35

(6) الرد على من يحب السماع ص 54

(7) تفسير القرطبي ج 13 ص 78

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015