وهذا الكلام كما لا يخفى مما لا يقال مثله بالرأي، فله حكم المرفوع. ومع أن اللفظ الأشهر بين طلبة العلم والدعاة هو ذيل الحديث حيث يقول ابن مسعود (ما رآه المسلمون حسنا) ثم تأملنا أوله حيث يصف اصطفاء الله لقلوب أوليائه المؤمنين ممن جندهم لصحبة نبيه عليه السلام، فهمنا بلا مراء أن المقصود بالمسلمين في ذيل الحديث لا يمكن أن يكون داخلا فيه أصحاب البدع والمجرمين من أهل الأهواء

وكذا لو نظرنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم المشهور "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم" فهمنا بمفهوم المخالفة أن الذين خالفوهم وخذلوهم من أهل الطوائف الأخرى لا اعتداد بخلافهم، لأنهم فيه على باطل! فما اجتمعت عليه تلك الطائفة بالذات هو الحق وليست الحجة الا في اجماعها، وما عداه فلا التفات اليه! والحديث لا يسوغ لأحد أن يقول أنه محمول على العقائد فقط دون الفرعيات والجزئيات، فهذا تحكم لا مسوغ له ولا قرينة عليه! انما اللفظ عام في الحق، كل الحق، في جميع المسائل الشرعية، لا في بعضها دون بعض!

وان قال قائل أن مسائل الفقه ليست حقا وباطل وانما صواب وخطأ قلنا نعم هذا فيما تتوصل اليه قرائح الفقهاء، والا فأهل السنة والجماعة على أن كل مسألة فقهية فيها حق يعلمه الله، ويهدي اليه من الفقهاء المتأهلين من يشاء! فمن أصاب فقد وفقه الله الى الحق وهداه اليه، ومن أخطأ فقوله عند الله باطل. ونحن وان كنا لا ننسب في المسائل الخلافية أي فريق من المجتهدين الى حق أو باطل ما داموا يدورون مع ما معهم من أدلة، الا أن وقوع الاجماع وثبوته يحسم الأمر ويقضي على الخلاف! لأننا نظرنا فلم نجد فيمن يعتد بكلامهم مخالفا، فعلمنا أن هذا هو ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن، واذا فهو الحق! وأما كل مجتهد فان أصاب في اجتهاده في غير مسائل الاجماع - في علم الله - فمترتب له ما في قوله عليه السلام "فان أصاب فله أجران" والاصابة هي اصابة الحق وبلوغه، وخلاف ذلك هو الخطأ وهو اصابة الباطل، ولكن ليس اجتهاد أحد من الفهقاء حجة على غيره من المتأهلين طالما أنه ليس في المسألة اجماع.

والله يقول ((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين)) ..

فان كان غير المؤمنين وغير الطائفة المنصورة لا عدة بكلامهم عند المخالفة، فبالتبعية لا يقال باعتبارهم في الاجماع! يعني لو جمعنا قول عشر فقهاء من أهل الجادة المشهود لهم بصحة المنهج وحسن الديانة في حكم مسألة من المسائل، وكانوا مخالفين فيه لمئة من أهل العلم المعتبرين الذين حققوا في تلك المسألة وبحثوا فيها، هذا يعتبر قول قلة أم كثرة؟ هذا قول قلة! ويبقى كذلك، قول القلة، وان وافقهم عليه مئات من فقهاء الطوائف الضالة وأهل الزيغ والأهواء! وهذا هو معنى عدم الاعتبار بخلافهم، وهو مساو لعدم الاعتبار بموافقتهم كذلك، ومؤداه عدم ادخالهم في الاجماع أو تصور وقوع الاجماع بجمع أقوالهم!

وأما قوله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة"

فظاهر على نفس المعنى! فسبب أن الله لا يجمع أمته على ضلالة، أنه أذن أن يجعل فيها طائفة قائمة بالحق وعلى الحق لا يضرها من خالفها! ولا يفهم من هذا الحديث أن الاجماع المعتبر في حجية التشريع لا شرط فيه ولا تمييز بين فئات وطوائف المجتهدين كما قد يغلط البعض! فالمنصوص عليه أن اجتماع جميع الأمة على ضلالة أمر ممتنع! فهل يعنينا اذ ذاك موقف الجهال والعامة وعلى أي شيء يجتمعون؟ كلا! وكذا الموقف من الطوائف الضالة وأهل الأهواء! ومعلوم أنه لن تجد في الأرض قضية من قضايا الدين الا والمنتسبين للاسلام - عالمهم مع جاهلهم - على ألوان وأحوال في القول فيها! ولكن الأمة معصومة من الاجتماع على ضلالة تقررها جميع طوائف الأمة وطبقات المسلمين فيها! لماذا؟ لبركة تلك الطائفة بين صفوفها! فهذه الطائفة الناجية المسددة وان كانت من جملة الأمة الا أن وجودها في الأمة يعصم المسلمين من أن تجتمع أمتهم على ضلالة في أي مسألة كان ذلك! ولو أخطأ أكثر المجتهدين منهم - أعني من هذه الطائفة -، في أي زمان كان ذلك - على قول من يرون وقوع الاجماع فيما بعد القرون الفاضلة - فان القلة منهم ستعصم الأمة من تقرير وقوع اجماع فيها على ضلالة! أما من خالفهم من أهل الأهواء فلا يقدمون ولا يؤخرون شيئا لأننا لم نؤمر بطلب الحق عندهم، وانما أمرنا بمجانبتهم حتى يرجعوا عن باطلهم ويعلنوا توبتهم! فأهل الذكر أهليتهم ليست حفظ العلم وحمل أدلته فحسب، وانما أهليتهم فيما يراه الناس فيهم من عمل بذلك العلم وطلب للحق فيه لا ابتاع الأهواء والشهوات!

فان اتفقنا على هذا الأصل، أن الاجماع المعتبر هو اجماع من يقبل منهم أن يتكلموا في دين الله تعالى وتشهد لهم الأمة بالخيرية والفضل والعلم والعمل، لا من كانوا دونهم، بقي الكلام اذ ذاك في تمييز هؤلاء بأعيانهم، وهذا ما أراه محل اجتهاد، والله الموفق الى سبيل الرشاد، والله أعلم وأحكم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015